نظمت المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، ورشة عمل بعنوان: “حل إشكالات النصوص الشرعية”، حاضر فيها: الدكتور إبراهيم الهدهد، المستشار العلمي للمنظمة ورئيس جامعة الأزهر الأسبق، بمشاركة 50 طالبًا وافدًا من: نيجيريا، واليمن، وأفغانستان، وبنجلاديش، والكاميرون، وبوركينا فاسو، وتوجو، والفلبين، والجزائر، ومالي، وغينيا، وذلك ضمن سلسلة الورش العلمية التي تعقدها المنظمة، لإعداد الدارسين الوافدين كسفراء للمنهج الأزهري الوسطي في بلدانهم.
أكد الدكتور إبراهيم الهدهد، أن كثيرًا من الانحرافات الفكرية ترجع إلى سوء فهم النصوص الشرعية، والوقوف عند ظاهر الألفاظ، دون إدراك دلالاتها في اللغة العربية، أو الرجوع إلى تفسيرها الصحيح كما فهمها الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين.
خطأ تجسيم الذات الإلهية
وأوضح، أن بعض الجماعات وقعت في خطأ تجسيم الذات الإلهية، مستدلين بظاهر حديث النبي: «لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه…»، مبينًا أن علماء أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية يقررون تنزيه الله سبحانه وتعالى عن مشابهة المخلوقات، وأن فهم مثل هذه النصوص، يكون في ضوء اللغة العربية، ومقاصد الشرع، لا بمجرد ظاهر اللفظ.
وأشار إلى أن للكلمة الواحدة في العربية أكثر من معنى، فلفظ “القدم” لا يقتصر على الجارحة، وإنما يأتي أيضًا بمعنى: ما يُقدَّم، أو الجماعة المتقدمة، كما أن الامتلاء الوارد في الحديث يتحقق بدخول أهل النار إليها، وليس بإثبات الجوارح لله تعالى، وهو ما تؤيده شروح أئمة الحديث والتفسير، ويتفق مع أصل تنزيه الله، الوارد في القرآن الكريم.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولُعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ [المائدة: 64]، موضحًا أن قول اليهود “يد الله مغلولة”، لم يكن يقصد به إثبات يدٍ على الحقيقة، وإنما أرادوا وصف الله تعالى بالبخل، وهو ما يؤكد أن فهم النصوص يكون من خلال المعنى الكامل للجملة وسياقها، لا من خلال الألفاظ منفردة.
وأكد أن الصحابة رضي الله عنهم لم ترد على أذهانهم مثل هذه الإشكالات؛ لأن عقيدتهم قامت على تنزيه الله تعالى، ولذلك لم يسألوا النبي عن هذه النصوص، بل تلقوها وفق ما يليق بجلال الله سبحانه.
كما أوضح أن الجهل بقواعد اللغة العربية يؤدي إلى سوء فهم بعض الأحاديث، مستشهدًا بحديث النبي: «لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، مبينًا أن المقصود: هو شد الرحال طلبًا لفضلٍ مخصوص لهذه المساجد، وليس النهي عن السفر إلى غيرها من المساجد للصلاة أو طلب العلم.
وتناول الدكتور الهدهد قضية التوسل، موضحًا أن المشروع منه يشمل التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وبالأعمال الصالحة، وبدعاء الصالحين الأحياء، أما التوسل بالصالحين بعد وفاتهم: فهو محل خلاف بين العلماء، ولا يجوز أن يكون سببًا لتكفير المسلمين أو اتهامهم بالشرك، مؤكدًا أن قياس ذلك على عبادة المشركين للأصنام قياس فاسد؛ لاختلاف الأصل والعلة.
واختتم بالتأكيد على أن فهم القرآن الكريم والسنة النبوية لا يتحقق إلا بالرجوع إلى أصول اللغة العربية، ومناهج العلماء الراسخين، وفهم الصحابة والتابعين، محذرًا من خطورة القراءة المجتزأة للنصوص، التي تُنتج أفكارًا متشددة تُسيء إلى الإسلام، وتُفرّق بين المسلمين، بينما يقوم المنهج الأزهري على الفهم الصحيح للنصوص، وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية.











