أثار الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها ChatGPT، تساؤلات متزايدة حول تأثيرها على صحة الدماغ، بعدما حذر عدد من الباحثين من أن الاعتماد المفرط عليها قد يقلل من نشاط المخ ويؤثر في الذاكرة على المدى الطويل، وهو ما قد يزيد من خطر الإصابة بالخرف استنادًا إلى دراسات وآراء خبراء في علوم الأعصاب.
الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يقلل نشاط الدماغ
وأشار التقرير إلى أن أكثر من مليار شخص قاموا بتحميل تطبيق ChatGPT منذ إطلاقه عام 2022، بينما يعتمد ملايين آخرون على أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وكتابة التقارير وتلخيص المعلومات وإنجاز المهام اليومية، وفقا لما نشر في صحيفة Daily Mail.
ويحذر الخبراء من ظاهرة تُعرف باسم “تفريغ العبء المعرفي” (Cognitive Offloading)، وهي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام الذهنية التي كان يؤديها الإنسان بنفسه، مثل كتابة البريد الإلكتروني أو تلخيص المستندات أو البحث عن المعلومات.
لماذا يشعر العلماء بالقلق؟
ويوضح الباحثون أن تكرار التعلم، والقراءة المتعمقة، وحل المشكلات بأنفسنا، يساعد على تعزيز المرونة العصبية، وهي قدرة الدماغ على تكوين روابط عصبية جديدة باستمرار.
كما يساهم هذا النشاط العقلي في بناء ما يُعرف بـ”الاحتياطي المعرفي”، وهو مخزون يساعد الدماغ على مقاومة آثار الشيخوخة والتدهور المعرفي، ويؤخر ظهور أعراض الخرف.
ولهذا السبب ينصح الأطباء عادةً بممارسة أنشطة تحفز العقل، مثل تعلم لغة جديدة أو حل الألغاز أو القراءة المنتظمة.

دراسة تكشف انخفاض نشاط المخ مع استخدام ChatGPT
واستشهد التقرير بدراسة أجرتها الباحثة ناتاليا كوسمينا من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، حيث طلب من نحو 50 طالبًا كتابة مقال قصير، مع تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات:
ـ مجموعة استخدمت ChatGPT.
ـ مجموعة استخدمت محرك بحث جوجل فقط.
ـ مجموعة اعتمدت على الكتب والمراجع التقليدية دون أي تقنية.
وخضع جميع المشاركين لتخطيط كهربائي للدماغ أثناء الكتابة.
وأظهرت النتائج أن الطلاب الذين كتبوا دون استخدام التكنولوجيا سجلوا أعلى نشاط دماغي، بينما جاءت مجموعة جوجل في المرتبة الثانية، في حين سجل مستخدمو ChatGPT أقل نشاط عصبي، إذ انخفض نشاط الدماغ لديهم بنسبة وصلت إلى 55% مقارنة بالمجموعة التي اعتمدت على التفكير الذاتي.
كما كشفت الدراسة أن معظم مستخدمي ChatGPT لم يتمكنوا بعد أيام قليلة من تذكر الكثير مما كتبوه، وهو ما يشير إلى ضعف ترسيخ المعلومات في الذاكرة.

تأثير قد يستمر لفترة طويلة
وبعد مرور أربعة أشهر، طلب الباحثون من نفس مجموعة ChatGPT كتابة مقال جديد دون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.
وأظهرت فحوص الدماغ انخفاضًا في الترابط العصبي لديهم مقارنة بالطلاب الذين اعتمدوا منذ البداية على التفكير الذاتي، وهو ما أثار مخاوف بشأن التأثير طويل الأمد على القدرة على التعلم وتخزين المعلومات.

دراسة برازيلية تدعم النتائج
كما أشار التقرير إلى دراسة أجرتها الجامعة الفيدرالية في ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 2025، وشملت 120 طالبًا، حيث اعتمدت مجموعة على ChatGPT، بينما استخدمت المجموعة الأخرى المصادر التقليدية.
وبعد ستة أسابيع، أظهرت الاختبارات أن الطلاب الذين استخدموا المصادر التقليدية تمكنوا من الإجابة الصحيحة عن 68.5% من الأسئلة المتعلقة بمشروعاتهم، مقابل 57.5% فقط لدى مستخدمي ChatGPT.
ورجح الباحثون أن بذل جهد أكبر لفهم المعلومات يساعد الدماغ على تخزينها في الذاكرة طويلة المدى.

هل يعني ذلك أن ChatGPT يسبب الخرف؟
ورغم هذه النتائج، يؤكد الخبراء أنه لا يوجد حتى الآن دليل علمي مباشر يثبت أن استخدام ChatGPT أو الذكاء الاصطناعي يسبب الإصابة بالخرف، لأن هذه التقنيات لا تزال حديثة نسبيًا، ولم تجر دراسات طويلة المدى تثبت وجود علاقة سببية.
ولكن بعض المتخصصين يرون أن الإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يقلل من التحفيز الذهني، وهو أحد العوامل المهمة للحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر.

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة صحية؟
وينصح الخبراء باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي كمساعد وليس كبديل للتفكير، من خلال:
ـ البحث عن المعلومات وتحليلها بنفسك قبل طلب المساعدة.
ـ كتابة الأفكار الأولى دون الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي.
ـ ممارسة أنشطة تنشط الدماغ مثل القراءة، وتعلم المهارات الجديدة، وحل الألغاز.
ـ الحفاظ على التفاعل الاجتماعي، لأنه عنصر مهم للحفاظ على الوظائف الإدراكية.
وبذلك، يرى الباحثون أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي تظل ممكنة وآمنة، بشرط ألا يتحول إلى بديل دائم للتفكير والتعلم، إذ يبقى تنشيط الدماغ وممارسة المهام الذهنية من أهم الوسائل للحفاظ على الذاكرة وصحة المخ مع التقدم في العمر.










