تشهد الساحة التشكيلية المصرية خلال شهر يوليو حراكًا ثقافيًا وفنيًا لافتًا، يعكس توجه قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة نحو الجمع بين استعادة رموز الفن المصري، وفتح المتاحف أمام الأجيال الجديدة، وتعزيز الحوار الثقافي مع المحيط العربي. فمن معارض تستعيد أعمال فنانين تركوا بصمة خاصة في تاريخ الفن، إلى فعاليات تعليمية تستهدف الطلاب، ولقاءات فنية مع رموز الحركة التشكيلية، وصولًا إلى استقبال وفود عربية رفيعة المستوى، تتواصل الأنشطة التي تؤكد الدور المتنامي للفنون البصرية في بناء الوعي وتعميق التواصل الثقافي.
وفي هذا السياق، افتتح الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، معرض الفنان التشكيلي الراحل أحمد فتح الله بقاعة الباب بدار الأوبرا المصرية، بحضور نخبة من الفنانين والمثقفين، بينهم الدكتورة سلوى حمدي، رئيس الإدارة المركزية للمتاحف والمعارض، والمصور الفوتوغرافي أيمن لطفي، إلى جانب عدد كبير من المهتمين بالحركة التشكيلية.
وأكد رئيس القطاع أن المعرض يمثل تجربة بصرية وإنسانية متفردة، استطاع خلالها الفنان الراحل أن يدمج بين خبرته كأثري ورؤيته التشكيلية، فقدم أعمالًا تجمع بين الدقة التوثيقية والخيال الفني، بما يمنحها قيمة معرفية وتاريخية إلى جانب قيمتها الجمالية.
وأشاد الدكتور محمود حامد بالدور الذي قام به نجل الفنان في الحفاظ على تراث والده الفني، من خلال صون اللوحات والمقتنيات الأصلية، وعرض أدوات الرسم الخاصة به، باعتبارها جزءًا من ذاكرة الإبداع التي توثق رحلة الفنان ومسيرته.
وأوضح أن المعرض لا يقتصر على عرض الأعمال الفنية، بل يمثل مشروعًا بحثيًا وتوثيقيًا يهدف إلى تعريف الأجيال الجديدة بأحد الأسماء المهمة في الحركة التشكيلية المصرية، مؤكدًا أن قطاع الفنون التشكيلية يسعى إلى تحويل هذه التجربة إلى نواة لمشروع أشمل لتوثيق أعمال الرواد واستعادة حضورهم في المشهد الثقافي. ويستمر المعرض حتى 23 يوليو الجاري.
وفي إطار الدور المجتمعي للمتاحف، استقبل متحف راتب صديق، التابع لقطاع الفنون التشكيلية، نحو 300 طالب من المتفوقين دراسيًا وأصدقاء المتحف، في احتفالية خاصة لتكريم تفوقهم العلمي، تحت إشراف الإدارة المركزية للمتاحف والمعارض.
وتضمن برنامج الاحتفال مجموعة من الفعاليات الفنية والتربوية، بدأت بفقرة للإنشاد الديني، أعقبها عرض لمسرح العرائس، ثم اسكتش مسرحي تناول أهمية التعليم ودوره في بناء المجتمعات، في إطار يربط بين الثقافة والفن والتربية، ويعزز من دور المتحف كمؤسسة تعليمية وتنويرية تتجاوز دوره التقليدي في عرض الأعمال الفنية.
وتواصل مراكز القطاع أنشطتها الثقافية من خلال برنامج “فنان الشهر”، حيث يستضيف المركز الثقافي لمتحف الجزيرة “مركز سينما الحضارة” يوم 16 يوليو الجاري الفنانة التشكيلية والأكاديمية الدكتورة أسماء جنيدي، ضمن برنامج “بورتفوليو”.
ويتيح اللقاء للجمهور فرصة التعرف على التجربة الفنية للفنانة من خلال عرض تقديمي لأبرز أعمالها، إلى جانب حوار مفتوح يكشف كواليس العملية الإبداعية، ومصادر الإلهام، والتحديات التي واجهتها خلال مسيرتها، فضلًا عن تأثير التراث والمدارس الفنية المختلفة على تجربتها التشكيلية.
وتعد أسماء جنيدي من الأسماء البارزة في الساحة التشكيلية والأكاديمية، إذ تعمل أستاذًا مساعدًا بكلية التربية الفنية بجامعة حلوان، وشغلت منصب أستاذ زائر بجامعة السلطان قابوس، كما شاركت في عدد من الفعاليات الفنية الدولية والمحلية، وحصلت على العديد من الجوائز، من بينها الجائزة التشجيعية في صالون الشباب.
وعلى صعيد التعاون الثقافي العربي، استقبل معرض “صورة مصر” المقام بقصر عائشة فهمي بالزمالك، الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة، رئيس المجلس الوطني للفنون بمملكة البحرين، الذي قام بجولة داخل المعرض برفقة الدكتور محمود حامد، والدكتور وليد قانوش، رئيس قطاع الفنون التشكيلية السابق.
واطلع الوفد البحريني على الأعمال الفنية المشاركة التي تعكس تنوع التجربة التشكيلية المصرية، وتبرز الهوية الوطنية من خلال رؤى بصرية معاصرة، حيث أشاد الشيخ راشد بالمستوى الفني للأعمال، وبالقيمة التاريخية والثقافية لقصر عائشة فهمي باعتباره أحد أبرز الصروح الثقافية في مصر.
وأكد الدكتور محمود حامد أن مثل هذه الزيارات تمثل خطوة مهمة نحو توسيع آفاق التعاون الثقافي والفني بين مصر والدول العربية، وتسهم في تعزيز الحوار بين الفنانين والمؤسسات الثقافية، بما يخدم الحركة التشكيلية العربية ويعزز حضورها على المستويين الإقليمي والدولي.
وتعكس هذه الفعاليات مجتمعة رؤية قطاع الفنون التشكيلية الهادفة إلى تقديم نموذج متكامل يجمع بين الحفاظ على التراث الفني، ودعم الفنانين، والانفتاح على الأجيال الجديدة، وتعزيز الشراكات الثقافية العربية، بما يؤكد مكانة الفن التشكيلي كأحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية.


