بعد نحو 1000 عام من مغادرته إنجلترا، يعود بايو تابستري إلى بريطانيا، في واحدة من أبرز العروض الثقافية التي تستعيد قطعة نادرة من تاريخ البلاد، إذ تستضيف قاعات متحف بريتيش ميوزيوم في لندن هذا العمل المطرز، الذي يوثق أحداثًا مفصلية سبقت الغزو النورماني لإنجلترا ومعركة هاستينجز عام 1066.
ويمتد العمل لنحو 70 مترًا، ويقدم سردًا بصريًا متتابعًا للأحداث التي غيرت شكل إنجلترا السياسي والاجتماعي، بدءًا من تحركات هارولد جودوينسون وعلاقته بويليام دوق نورماندي، وصولًا إلى الغزو النورماني ومقتل هارولد وتولي ويليام عرش إنجلترا، ليصبح لاحقًا ويليام الفاتح.
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، في تقرير، أن العمل المطرز، الذي يرجح المؤرخون أنه صنع خلال سبعينيات القرن الحادي عشر، ربما نفذته نساء إنجليزيات في كانتربري أو بالقرب منها، قبل أن ينتقل، في مرحلة غير معروفة، إلى مدينة بايو في شمال فرنسا، حيث ظل محفوظًا قرابة 1000 عام. ويأتي عرضه في لندن بينما يخضع متحف بايو لأعمال تجديد.
ويكتسب عرض العمل أهمية تتجاوز قيمته الفنية والتاريخية، إذ جاء انتقال بايو تابستري إلى بريطانيا في إطار تقارب دبلوماسي بين فرنسا والمملكة المتحدة، وشارك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والملك تشارلز الثالث في افتتاح المعرض. كما شهدت عملية بيع التذاكر إقبالًا كبيرًا، إذ نفدت الدفعة الأولى، التي بلغ سعر التذكرة فيها نحو 45 دولارًا، خلال أقل من يوم.
وعند تتبع المشاهد الأولى للعمل، يظهر ويليام وهارولد كحليفين، إذ يصورهما التطريز وهما يتنقلان معًا في فرنسا ويشاركان في حملات عسكرية، قبل أن يمر الاثنان بمنطقة مون سان ميشيل، ثم يقع جنود ويليام في الرمال المتحركة قرب نهر كوسنون، في مشهد تظهر فيه الخيول والثعابين بخطوط صوفية دقيقة.
وفي أحد المشاهد، يظهر هارولد وهو ينقذ جنديين نورمانديين ويجرهما إلى مكان آمن، قبل أن يمنحه ويليام تكريمًا عسكريًا. كما يلفت العمل النظر إلى براعة منفذيه في تصوير الدروع المعدنية من خلال غرز متقاربة تمنحها مظهرًا كثيفًا وملمسًا واضحًا.
وتصل القصة إلى واحدة من أكثر لحظاتها حساسية عندما يتوجه هارولد إلى بايو ويؤدي قسمًا أمام ويليام على ذخائر مقدسة، في واقعة يمكن تفسيرها على أنها تعهد بدعم مطالبة ويليام بعرش إنجلترا، سواء تم هذا التعهد بإرادة هارولد أو تحت ضغط، وهي النقطة التي ستصبح لاحقًا جزءًا من المبررات التي استند إليها النورمان في غزو إنجلترا.
ومع وصول السرد إلى تتويج هارولد ملكًا على إنجلترا بعد وفاة إدوارد، يظهر مذنب هالي في السماء فوق القصر، في إشارة إلى الظاهرة الفلكية التي ظهرت بالفعل في سماء إنجلترا خلال ربيع عام 1066. وفي المقابل، يبدأ ويليام في نورماندي الاستعداد لغزو إنجلترا، فيجمع قوات من مناطق مختلفة ويبني أسطولًا من السفن الطويلة لعبور القنال الإنجليزي.
وعند الوصول إلى معركة هاستينجز، تتغير كثافة المشاهد وإيقاعها، إذ تمتلئ المساحة بالجنود والخيول والرماة، بينما تتزايد التفاصيل في الحدود العلوية والسفلية للعمل. ويصف التقرير المعركة بأنها تبدو، عند مشاهدة العمل كاملًا، أقرب إلى حرب أهلية بين جيشين متداخلين، لا مجرد مواجهة واضحة بين طرفين منفصلين.
ويقدم بايو تابستري مشهدًا دمويًا للمعركة، حيث يسقط الجنود من المشاهد الرئيسية إلى الحدود المحيطة، ويظهر الإنجليز والنورمان وهم يلقون المصير نفسه. وفي إحدى العبارات اللاتينية المطرزة، يرد معنى يفيد بأن الإنجليز والفرنسيين سقطوا معًا، وهو ما يمنح العمل قدرًا من الالتباس السياسي، رغم الاعتقاد بأنه نفذ بتكليف نورماني، وربما من جانب أودو، الأخ غير الشقيق لويليام.
ولا يكتفي بايو تابستري بتقديم رواية واضحة لانتصار النورمان؛ فهارولد يظهر في أجزاء مختلفة من العمل بصورة بطولية ومتدينة، كما يصور تتويجه ملكًا بكل مظاهر الاحتفال. وهو ما يجعل العمل، رغم ارتباطه بالرواية التي بررت مطالبة ويليام بالعرش، أكثر تعقيدًا من مجرد قطعة دعائية لصالح الفاتحين.
ويزداد هذا التعقيد عند النظر إلى طبيعة العمل نفسه؛ فهو ليس «تابستري» بالمعنى التقني للكلمة، لأنه لم يُنسج، وإنما هو تطريز منفذ على شريط طويل من الكتان. كما أن ألوان الصوف لا تتبع واقعية صارمة؛ فالخيول تظهر بألوان مختلفة، وتتغير ألوان الدروع، وحتى الكتابات اللاتينية تظهر متعددة الألوان. وتتحرك المشاهد في الغالب من اليسار إلى اليمين، على نحو يشبه القصص المصورة، بينما تمتلئ الحدود بصور لحيوانات وطيور ومشاهد مرتبطة بالقتلى في المعركة.
ويكشف العمل في نهايته عن التحول العميق الذي أحدثه الغزو النورماني في إنجلترا، مع استبدال النبلاء المحليين بأرستقراطية نورمانية، وتولي أساقفة نورمان إدارة الكنيسة، إلى جانب تغييرات في النظام القانوني واللغة. ويرى التقرير أن ما بدأ عام 1066 لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل قطيعة تاريخية واسعة أعادت تشكيل البلاد لقرون لاحقة.
ويظل بايو تابستري، في النهاية، شاهدًا على تاريخ تشكل عبر انتقال البشر والثقافات والسلطة بين ضفتي القنال الإنجليزي، كما أن عودته إلى بريطانيا بعد قرابة 1000 عام تمنحه معنى يتجاوز كونه وثيقة من العصور الوسطى. فبينما صنع على الأرجح في إنجلترا وحُفظ في نورماندي، يعرض اليوم في لندن باعتباره جزءًا من تاريخ أوروبي متشابك، في لحظة ثقافية تجمع بين الذاكرة والتاريخ والدبلوماسية.
ويرجع تاريخ بايو تابستري إلى سبعينيات القرن الحادي عشر، ويرجح المؤرخون أنه صنع بعد الغزو النورماني لإنجلترا بسنوات قليلة. ويمتد العمل لنحو 70 مترًا، ويروي في سلسلة من المشاهد المصورة الأحداث التي قادت إلى غزو إنجلترا عام 1066 ومعركة هاستينجز. ويعد من أهم الوثائق البصرية الباقية من تلك الفترة، كما تكشف تفاصيله عن الملابس والأسلحة والسفن والحياة اليومية، إلى جانب الأحداث السياسية والعسكرية. وبعد قرون من وجوده في فرنسا، عاد العمل إلى بريطانيا في إعارة مؤقتة تستمر حتى يوليو 2027.


