السعادة ليست محطة نصل إليها ثم نتوقف عندها، وليست شيئا نشتريه بالمال او نحصل عليه بمجرد امتلاك ما نريد. السعادة الحقيقية حالة يعيشها الانسان عندما يتصالح مع نفسه، ويرضى بما قسم الله له، ويعرف قيمة ما بين يديه قبل ان ينشغل بما ينقصه.
كثيرا ما نبحث عن السعادة في الاماكن الخطأ. نعتقد ان السعادة في المال الكثير، او في منصب اكبر، او في بيت اجمل، او في امتلاك اشياء جديدة، ثم نكتشف بعد فترة ان فرحتنا بها لم تدم طويلا. والسبب ان الاشياء تمنحنا لحظات من المتعة، لكنها لا تمنحنا بالضرورة راحة القلب.
أول طريق السعادة هو الرضا.. والرضا لا يعني ان يتوقف الانسان عن الطموح او ان يستسلم لواقعه، بل يعني ان يعمل من اجل الافضل وهو مطمئن القلب، دون ان يعيش طوال الوقت في مقارنة مع غيره. فكم من انسان يملك القليل لكنه ينام مرتاحا، وكم من انسان يملك الكثير لكنه لا يعرف طعم الراحة.
ومن أهم مفاتيح السعادة أيضا، أن نتعلم فن التجاوز. لا تجعل كل موقف صغير معركة، ولا تسمح لكلمة عابرة ان تفسد يومك، ولا تحمل في قلبك اخطاء الاخرين سنوات طويلة. بعض الاشياء لا تحتاج الى رد، وبعض المواقف يكون الانتصار الحقيقي فيها ان تتجاوزها وتمضي.
السعادة كذلك في العلاقات الطيبة. في وجود انسان تستطيع ان تحدثه دون خوف، وصديق يفرح لفرحك، واهل تجد بينهم الامان، وشخص يسأل عنك دون مصلحة. لذلك علينا ان نحافظ على من يحبوننا بصدق، وان نعبر لهم عن محبتنا قبل ان تصبح الكلمات مجرد ذكريات مؤجلة.
ومن أجمل أبواب السعادة أن تمنح دون انتظار مقابل.. مساعدة انسان يحتاج اليك، كلمة طيبة في وقت صعب، ابتسامة في وجه شخص حزين، او موقف صغير قد لا تتذكره انت، لكنه يظل في قلب إنسان آخر سنوات طويلة.. الخير الذي تزرعه في حياة الناس يعود إلى قلبك بطريقة لا تتوقعها.
ولا يمكن الحديث عن السعادة دون الحديث عن القرب من الله. فالقلب مهما امتلك يظل محتاجا الى الطمأنينة، والطمأنينة الحقيقية لا تصنعها الاموال ولا الشهرة ولا النجاح وحده. الصلاة والدعاء والذكر وقراءة القرآن تمنح الانسان مساحة من السكينة تجعله اكثر قدرة على مواجهة تقلبات الحياة.
ومن دليل السعادة ايضا ان تعرف متى تتوقف. توقف عن التفكير في الماضي الذي انتهى، وعن الخوف من المستقبل الذي لم يأت بعد، وعش يومك كما هو. لا تستهلك عمرك في الندم على قرار قديم، ولا تفسد لحظة جميلة بسبب احتمال سيئ قد لا يحدث ابدا.
السعادة ليست ان تكون حياتك خالية من المشاكل، فهذا امر لا وجود له. السعادة ان تمتلك قلبا قادرا على التعامل مع المشاكل دون ان يفقد سلامه، وان تتعلم من الخسارة، وتقوم بعد السقوط، وتعرف ان كل يوم جديد يحمل فرصة جديدة.
وفي النهاية ربما يكون دليل السعادة ابسط مما نتصور: قلب راض، ونفس هادئة، وصحة نحافظ عليها، واهل نحبهم ويحبوننا، وعمل نؤديه بضمير، ويد تمتد بالخير، وقلب لا يحمل الكراهية، وثقة في الله تجعلنا نؤمن ان القادم قد يكون اجمل.
السعادة ليست في ان نملك كل شيء، ولكن في ان نعرف قيمة ما نملك. وليست في ان تختفي مشاكل الحياة، ولكن في ان نتعلم كيف نعيش رغمها. وقد يكون اجمل قرار يمكن ان نتخذه كل صباح هو ان نبحث عن الاشياء الجميلة التي ما زالت موجودة، وان نشكر الله عليها، وان نعيش يومنا بقلب خفيف، لان السعادة في كثير من الاحيان لا تحتاج الى ان نذهب بعيدا بحثا عنها، فهي تبدأ من داخلنا.










