في زمنٍ باتت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مسرحًا واسعًا للضجيج والمبالغة وصناعة “التريند” المتعمد، خرج مشهد إنساني بسيط من قلب عيادة طبية ليؤكد أن العفوية الصادقة ما زالت قادرة على خطف القلوب دون تخطيط أو حسابات. مقطع فيديو لطبيب أطفال مصري يمازح رضيعًا أثناء توقيع الكشف الطبي، لم يحتج إلى مؤثرات أو إعداد مسبق، بل اكتفى بابتسامة صادقة وكلمة دافئة، ليصبح خلال ساعات حديث الجمهور داخل مصر وخارجها، ورسالة إنسانية عن معنى الطب الحقيقي.
فيديو عابر يتحول إلى ظاهرة إنسانية
تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية مقطع فيديو لطيفًا لطبيب أثناء توقيع الكشف الطبي على طفل رضيع، حيث ظهر الطبيب وهو يمازح الصغير بكلمات عفوية، فينفجر الطفل ضاحكًا مع كل جملة، وسط أجواء مفعمة بالدفء والطمأنينة. لم يمر الفيديو مرور الكرام، بل سرعان ما انتشر كالنار في الهشيم، محققًا ملايين المشاهدات، ومثيرًا موجة واسعة من التفاعل والتعليقات الإيجابية.
المتابعون رأوا في المشهد صورة مختلفة للطبيب؛ صورة تجمع بين العلم والإنسانية، وبين المهنية والرحمة. وأكد كثيرون أن مثل هذه اللحظات البسيطة تترك أثرًا نفسيًا بالغ الأهمية لدى الأطفال، وتكسر حاجز الخوف والرهبة المرتبط عادة بالكشف الطبي.
فيديو بلا تخطيط… والنتيجة غير متوقعة
أكد الدكتور محمد سعيد، استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة، في تصريحات خاصة لـ صدى البلد، أن ما حدث لم يكن مخططًا له بأي شكل.
الفيديو كما يصفه كان عفويًا تمامًا، وتم تصويره خلال الكشف على طفل في أيام العيد.
يقول الدكتور سعيد إن مثل هذه المواقف تتكرر كثيرًا خلال الأعياد، لكن “ربنا سبحانه وتعالى أراد أن يظهر المشهد بهذا الشكل الظريف”، مضيفًا أن الصدق هو العامل الأساسي وراء الانتشار الكبير الذي حققه الفيديو.
انتشار واسع في العالم العربي
لم يقتصر صدى الفيديو على مصر فقط، بل تجاوز الحدود سريعًا ليصبح “تريند رقم واحد” في دول المغرب العربي، وعلى رأسها المغرب وتونس والجزائر.
ويوضح الدكتور سعيد أن لديه متابعين كثر على منصة “إنستجرام” من تلك الدول، وهو ما ساهم في الانتشار السريع. الأرقام كانت لافتة؛ إذ حقق الفيديو نحو 3 ملايين مشاهدة خلال يوم ونصف ، وهو رقم يعكس حجم التفاعل الشعبي مع المحتوى الإنساني البسيط.
لحظة داخل العيادة… وتحول مفاجئ
يروي الدكتور محمد سعيد تفاصيل اللحظة التي تم فيها تصوير الفيديو، موضحًا أن الطفل كان مستجيبًا جدًا أثناء الكشف، وهو ما جعله يشعر بإعجاب خاص بالمشهد . عندها قرر رفع الفيديو على صفحة العيادة دون توقع لما سيحدث لاحقًا.
الطفل، بحسب الطبيب، جاء إلى العيادة برفقة والدته وعمته، وكان حضوره في الأساس بسبب متابعة شقيقه الأكبر لدى الدكتور منذ ولادته.
حالة صحية بسيطة… وقلق إنساني
من الناحية الطبية، يوضح الدكتور سعيد أن الطفل كان يعاني من التهاب بسيط في الشعب الهوائية، وهي حالة شائعة ولا تدعو للقلق الكبير.
ومع ذلك، يؤكد الطبيب حرصه الشديد وقلقه الإنساني على صحة الطفل، مشيرًا إلى أن هذه كانت الزيارة الثانية له فقط. ويضيف: “الحمد لله تم الكشف عليه ووُصف العلاج اللازم، ونسأل الله له الشفاء التام”، ويعكس حديثه مدى ارتباطه النفسي بمرضاه، خاصة الأطفال.
مسيرة مهنية حافلة بالخبرة
عن سيرته الذاتية، يوضح الدكتور محمد سعيد أنه استشاري أطفال وحديثي ولادة، وشغل سابقًا منصب نائب مدير مستشفى الشيخ زايد التخصصي، إلى جانب عمله مديرًا للعيادات. كما عمل في عدد كبير من المستشفيات داخل مصر. ويعمل حاليًا في عيادته الخاصة بشارع الملك فيصل بمنطقة المريوطية، حيث يركز بشكل أساسي على طب الأطفال وحديثي الولادة، وهو المجال الذي وجد فيه شغفه الحقيقي.
الصدق… لغة يفهمها الأطفال
يؤمن الدكتور سعيد أن الأطفال يمتلكون حسًا فطريًا عاليًا، ويمكنهم الشعور بمن أمامهم بصدق أو توتر. ويقول: “ما يخرج من القلب يصل إلى القلب”، معتبرًا أن الطفل من أكثر الكائنات قدرة على الإحساس بالطاقة الإنسانية المحيطة به. هذا الإيمان انعكس بوضوح في أسلوب تعامله داخل العيادة، والذي ظهر جليًا في الفيديو المتداول.
من حلم العظام إلى عالم الأطفال
يكشف الدكتور محمد سعيد أنه كان يخطط في بداية حياته المهنية للتخصص في جراحة العظام، لكنه استخار الله ووجد راحته النفسية في طب الأطفال. ويؤكد أنه حين يتعامل مع الطفل كأنه ابنه، يجد استجابة مذهلة، وكأن الطفل يفهم كل ما يدور حوله، وهو ما جعله يتمسك بهذا التخصص ويبدع فيه.
في ختام حديثه، يوجه الدكتور محمد سعيد رسالة إنسانية مؤثرة، داعيًا الله أن يشفي جميع الأطفال، خاصة أولئك الذين يمرضون خلال فترات الأعياد. ويشير إلى حياته الأسرية، فهو متزوج ولديه ولدان؛ الأكبر في المرحلة الإعدادية بمدارس دولية، والأصغر في الصف الخامس الابتدائي، ويحلم بأن يصبح طبيب أطفال مثل والده.
قصة الدكتور محمد سعيد ليست مجرد فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل رسالة إنسانية عميقة تؤكد أن الطب ليس وصفات وأدوية فقط، بل كلمة طيبة وابتسامة صادقة ولمسة رحمة. في زمن السرعة والضجيج، يثبت هذا المشهد البسيط أن الإنسانية ما زالت قادرة على صناعة التأثير الحقيقي، وأن أجمل “التريندات” هي تلك التي تخرج من القلب لتصل مباشرة إلى قلوب الناس.


