في لحظةٍ تعاد فيها صياغة خرائط النفوذ والتوازنات في الشرق الأوسط، وسط صراعات إقليمية متشابكة وتنافس دولي محتدم على مراكز القوة، يعود اسم محمد علي باشا إلى الواجهة بوصفه واحدًا من أبرز من حاولوا بناء مشروع دولة قوية قادرة على حماية الشرق من التفكك والتبعية، فالرجل الذي جاء إلى مصر قائدًا عثمانيًا، تحول مع الوقت إلى مؤسس الدولة المصرية الحديثة، وصاحب رؤية مبكرة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية في المنطقة.
وبين التاريخ والسياسة، وبين القوة العسكرية وفلسفة بناء الدولة، تظل تجربة محمد علي محل جدل واسع؛ هل كان مجرد حاكم سعى لبناء إمبراطورية توسعية، أم رجل دولة أدرك مبكرًا أن مصر القوية هي الضمان الحقيقي لاستقرار الشرق الأوسط؟
وفي حوار خاص لـ«صدى البلد»، يفتح الباحث من الأسرة العلوية محمد عاصم سرحان، حفيد الأمير مصطفى فاضل شقيق الخديوي إسماعيل، ملفات مشروع محمد علي باشا، كاشفًا كيف تحولت مصر في عهده إلى مركز قوة إقليمي، ولماذا بقيت — حتى اليوم — «صمام أمان الشرق الأوسط». كما يتحدث عن فلسفة محمد علي في بناء الجيش والدولة، وإدارة التحالفات الدولية، ورؤيته لمفهوم القوة، فضلًا عن أوجه التشابه بين صراعات القرن التاسع عشر والتوترات الإقليمية الراهنة، في قراءة تاريخية تربط الماضي بالحاضر وتعيد طرح سؤال القوة المصرية من جديد.
بصفتك مؤرخاً ومن داخل الأسرة العلوية.. كيف تقرأ مشروع محمد علي باشا.. هل كان تأسيساً لقوة عسكرية صاعدة أم رؤية مبكرة لإدارة التوازنات الدولية؟
في البداية، أعتقد أن وصف «مؤرخ» أكبر من أن أدعيه؛ فالتاريخ محراب عظيم، وما أنا سوى باحث شغوف نهل من «مدرسة التاريخ المصرية» التي أسسها محمد شفيق غربال، صاحب المقولة الأعمق: «مصر هبة المصريين».
أرى أن مشروع محمد علي باشا لم يكن مجرد تأسيس لقوة عسكرية صاعدة، بل مشروعًا متكاملًا لإحياء مصر وإعادتها إلى قلب الشرق سياسيًا وحضاريًا. فعندما جاء إلى مصر قائدًا عثمانيًا، أعادت هذه الأرض تشكيل وعيه وطموحه، ليتحول من قائد عسكري إلى مؤسس للدولة المصرية الحديثة.
لقد رأى محمد علي أن مصر القوية هي «درع الشرق وصمام أمانه» في مواجهة التراجع الداخلي والتفوق الأوروبي المتسارع. لذلك لم يكن الجيش بالنسبة له غاية في حد ذاته، بل وسيلة لبناء دولة حديثة؛ فمن خلاله خرج المهندس والطبيب والإداري، وكان الهدف امتلاك أدوات التقدم مع الحفاظ على الهوية الشرقية والإسلامية.
مشروع محمد علي كان رؤية استراتيجية شاملة، تقوم على خلق توازن بين ثقافة الشرق والتكنولوجيا الأوروبية الحديثة، لبناء قوة قادرة على حماية المنطقة واستعادة دور مصر التاريخي. ولذلك أرى أن مشروعه كان إحياءً لمصر القوية أكثر من كونه مجرد تأسيس لقوة عسكرية فقط.

إلى أي مدى اعتمد محمد علي باشا على «فن التحالفات» في تثبيت نفوذه، مقارنة باستخدام القوة الصلبة؟
اعتمد محمد علي على الدبلوماسية وفن المناورة بدرجة كبيرة، ربما أكثر مما يتصور البعض، فقد صقلت التجارة المبكرة في حياته مهارة التفاوض لديه، بينما منحته نشأته في «قولة» جرأة استثنائية وقدرة على التحرك بثقة.
في مصر، لم يعتمد على القوة العسكرية وحدها ضد المماليك، بل استخدم الذكاء السياسي والتحالف مع القوى الشعبية والدينية حتى تمكن من تثبيت حكمه. كما لعب على التناقضات الدولية بمهارة؛ فاستفاد من الإيطاليين، ثم من الخبرة الفرنسية، وناور بريطانيا حتى تمكن من تثبيت أركان مشروعه.
لذلك يمكن القول إن القوة الصلبة كانت بالنسبة له أداة للحسم، بينما كانت التحالفات والدبلوماسية وسيلته لضمان الاستقرار واستمرار مشروع الدولة.

هل كان محمد علي باشا يتحرك كلاعب مستقل في النظام الدولي، أم ضمن حدود فرضتها عليه قوى كبرى آنذاك؟
كان محمد علي لاعبًا طموحًا حاول كسر حالة الركود التي فُرضت على مصر والعالم العثماني، وسعى إلى بناء نموذج قريب من تجربة ابن طولون والإخشيد، أي إطلاق مشروع تحديث قوي مع الحفاظ على الولاء الاسمي للخلافة العثمانية.
لكن الواقع الدولي آنذاك لم يكن يسمح ببروز قوة شرقية كبرى تنافس أوروبا. فبعد تمدده في الشام والأناضول، جاءت معاهدة لندن عام ١٨٤٠ لتؤكد أن القوى الأوروبية لن تسمح بقيام «تركيا أخرى» أو دولة إقليمية صاعدة بقيادة مصر.
ورغم ذلك، استطاع محمد علي أن يناور داخل قواعد اللعبة الدولية بذكاء، مستفيدًا من التوازنات والصراعات الأوروبية، ليصنع لمصر مكانة غير مسبوقة في عصره.

كيف انعكست طموحات محمد علي باشا الإقليمية على شكل علاقاته مع القوى الأوروبية؟ وهل كانت هذه العلاقات داعمة لمشروعه أم مقيدة له؟
محمد علي لم ينظر للقوة باعتبارها غاية، بل وسيلة لبناء دولة قوية وقادرة على حماية مصالحها. وقد رأى أن وحدة العالم العثماني وإحياء طرق التجارة والموانئ والبحار العربية ضرورة لاستعادة قوة الشرق.
في البداية استفاد من الخبرات الأوروبية والتوازنات الدولية لدعم مشروعه، لكن كلما توسعت طموحاته الإقليمية، بدأت أوروبا تنظر إليه باعتباره تهديدًا لمصالحها، خاصة مع تمدده في الشام وسيطرته على طرق التجارة الحيوية.
لذلك كانت علاقاته بالقوى الأوروبية مزدوجة؛ استفاد منها في التحديث وبناء الجيش والصناعة، لكنها في النهاية ساهمت أيضًا في تقييد مشروعه ومنع تحوله إلى قوة إقليمية مستقلة بالكامل.
إلى أي مدى كان التحديث الذي قاده محمد علي باشا أداة لتعزيز الاستقلال أم سببًا في زيادة ارتباطه بالنظام الدولي؟
كان هدف محمد علي الأساسي هو بناء دولة قوية مستقلة تمتلك «قوة الحديد والمعرفة والمال». لذلك أسس جيشًا حديثًا قائمًا على التجنيد العام، وأنشأ المدارس العسكرية والطبية والهندسية، وأرسل البعثات العلمية إلى أوروبا لنقل المعرفة وتوطينها داخل مصر.
كما بنى نظامًا إداريًا مركزيًا حديثًا، وأطلق إصلاحات اقتصادية وزراعية ضخمة، أبرزها تطوير زراعة القطن وشق الترع وإنشاء المصانع والترسانات البحرية.
هذه الإصلاحات لم تكن تقليدًا أعمى للغرب، بل محاولة لبناء نموذج مصري حديث قادر على تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي. ورغم أن الانفتاح على أوروبا زاد من ارتباط مصر بالنظام الدولي، فإن الهدف النهائي لمحمد علي كان دائمًا امتلاك أدوات القوة لا التبعية.
إذا انتقلنا إلى الحاضر.. هل ترى أن التوترات بين الولايات المتحدة وإيران تعكس نفس منطق توازن القوى؟
بالتأكيد، فما يحدث اليوم يشبه إلى حد كبير منطق إدارة النفوذ الذي واجهه محمد علي في القرن التاسع عشر. فالقوى الكبرى لا تسمح بسهولة بصعود قوة إقليمية قد تغير التوازنات القائمة.
كما أن محاولات احتواء مشروع محمد علي قديمًا تشبه اليوم محاولات التحكم في خرائط النفوذ داخل الشرق الأوسط، سواء عبر الصراعات المباشرة أو أدوات الضغط الحديثة.
وفي هذا السياق، تظل مصر بحكم تاريخها وثقلها الحضاري أحد أهم عناصر التوازن في المنطقة، وهو ما يجعل أي مشروع نهضة مصري محل اهتمام دائم من القوى الدولية.
هل مؤامرة تهجير الفلسطينيين إلى غزة التي أفشلتها مصر تشبه المؤامرة التي واجهها محمد علي قبل معاهدة لندن ؟
الحقيقة التاريخية أن البريطانيين من أوائل الذين مهدوا للفكرة الصهيونية في القرن ١٩، خصوصًا تشافتسبري وبالمرستون؛ فخلال الحكم المصري للشام شن اللورد بالمرستون وزير الخارجية حملة دبلوماسية ممنهجة ضد مصر، سُميت بـ”حرب التعريفة الجمركية”، بهدف تقويض التوسع المصري وإعادة رسم الحدود بما يخدم المصالح البريطانية. شارك في هذه الحملة جون وود (الدراغومان أو المترجم البريطاني في الشام)؛ ومعه سترافورد كانينغ السفير البريطاني في الآستانة لإثارة السكان المحليين وشراء الذمم؛ ومن خلال الضغط الدبلوماسي والاستخباراتي.
وكما ورد في الوثائق البريطانية الرسمية في تلك الفترة، مثل مراسلات اللورد دوفرين (Dufferin) المتعلقة بحدود مصر الشرقية؛ فقد دعم البريطانيون في اتفاقات لندن ١٨٤٠م فصل سيناء عن السيادة المصرية، بهدف استخدامها مستقبلاً إما وطن بديل لليهود أو منطقة لتهجير السكان العرب.
يظهر هذا المخطط الاستعماري بوضوح في مشروع ١٩٠٢م الذي قدمه هرتزل برعاية بريطانية لتوطين اليهود في سيناء خصوصًا العريش، وكذلك في مقترحات ١٩٦٧م التي تبناها إيغال ألون بالتعاون مع بريطانيا لإقامة منطقة عازلة في سيناء.
ويتبين بذلك الإصرار الغربي/الصهيوني على فصل سيناء أو الضغط على مصر للتخلي عن سيادتها الكاملة عليها.
والباحث التاريخي المنصف لايمكنه إلا الإقرار بنجاح الدولة المصرية، منذ عام 1840م وحتى اليوم، في التصدي لهذه المخططات والحفاظ على سيادتها الكاملة على كل ذرة من أرض سيناء، دون تفريط أو تنازل.
هل تغيّر مفهوم القوة من عصر محمد علي إلى اليوم؟
جوهر القوة لم يتغير، لكن أدواتها تطورت. ففي عصر محمد علي كانت القوة تعني الجيش الحديث، والاقتصاد المنتج، والتعليم المتطور. أما اليوم فأضيفت إليها التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والسيادة الرقمية، والقوة الناعمة.
ولو عاش محمد علي في عصرنا، لركز على بناء قاعدة تكنولوجية وتعليمية قوية، لأن الدولة التي لا تمتلك أدوات عصرها تظل دائمًا تابعة لمن يمتلكها.

لو عاد محمد علي باشا اليوم.. ماذا سيفعل؟
لو عاد محمد علي اليوم، لوقف بالتأكيد خلف أي مشروع وطني يهدف إلى بناء مصر كقوة إقليمية مستقلة ترفض التبعية، كان سيدعم بناء الاقتصاد، والتكنولوجيا، والتعليم، مع الحفاظ على قوة الدولة ومؤسساتها.
كما كان سيسعى إلى تحقيق توازن دقيق في العلاقات الدولية بين القوى الكبرى، مع الحفاظ على ريادة مصر الإقليمية وحماية أمنها القومي، تماما كما نشهده اليوم من الانجازات السياسية التي يقوم بها الرئيس عبد الفتاح السيسي على جميع المستويات والأصعدة .
وفي المحصلة، ارتكزت رؤية كلٍ من محمد علي باشا والرئيس عبد الفتاح السيسي على ثوابت راسخة، في مقدمتها أن «القوة هي الضمان الحقيقي للسيادة»، وأن قوة مصر تمثل الركيزة الأساسية لاستقرار الشرق الأوسط وأمنه.








