أكد مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) الدكتور خالد العناني أن المنظمة بيت للسلام والحوار، وتضطلع بدور محوري في ترسيخ السلام وتعزيز الحوار والتعاون الدولي.
وشدد العناني، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ80 لدخول دستور المنظمة حيز النفاذ، على أن الكرامة الإنسانية تمثل البوصلة التي توجه عمل اليونسكو، وأن رسالتها الأساسية تتمثل في وضع الإنسان في صميم جهودها وتحويل مبادئها إلى إجراءات ملموسة تسهم في تحسين حياة الشعوب.
وقال “إنه لم يعمل في اليونسكو قبل توليه قيادتها في نوفمبر 2025، إلا أن ولاية المنظمة رافقته باستمرار، بصورة أو بأخرى، طوال مسيرته الأكاديمية والمهنية، مشيرا إلى أن علاقته بها تعود إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين كان يعمل مرشدا سياحيا في مصر.
وأضاف “أن كل زيارة إلى معبد أبو سمبل، الذي يعد معبده المفضل، كانت تذكيرا ملموسا بما يمكن أن يحققه التعاون الدولي حين يُكرَّس لخدمة الإنسانية”، لافتا إلى أن هذا الموقع لا يزال من أبرز الشواهد على الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة التي قادتها اليونسكو بين عامي 1960 و1980.
وتابع “أن هذه التجربة تركت فيه أثرا عميقا، حتى إنه خصص رسالة الماجستير لدراسة المعابد الرعمسية في النوبة”، موضحا أن أبحاثه أتاحت له التعمق في تاريخ هذه التعبئة الدولية الاستثنائية لاسيما من خلال “رسالة اليونسكو”، والتعرف بشكل أوسع على نطاق عمل المنظمة وتأثيرها في أنحاء العالم”.
ولفت إلى أنه عمل بعد ذلك بانتظام إلى جانب العاملين في اليونسكو، سواء بصفته أكاديميا أو مديرا لمتحف، ثم وزيرا، مؤكدا أن هذه التجارب، إلى جانب حملته للترشح لمنصب المدير العام، رسخت لديه قناعة بأن القوة الحقيقية للمنظمة تكمن في قدرتها على ترجمة مُثُلها العليا إلى أفعال ملموسة.
وأضاف أن هذه الرؤية الإنسانية، القائمة على الإيمان بقدرة التربية والعلوم والثقافة والاتصال والمعلومات على إحداث تحسينات دائمة في حياة النساء والرجال، أسهمت في تشكيل التزامه تجاه المنظمة.
وأكد أن هذه القناعة ازدادت رسوخا منذ تعيينه في نوفمبر 2025، بعدما لمس التزام الدول الأعضاء بتجسيد ولاية اليونسكو، وكفاءة فرق العمل وتفانيها، إلى جانب ما تتمتع به المنظمة من شبكة عالمية واسعة وشركاء ملتزمين بدعم جهودها، وكل ذلك في خدمة الشعوب.
وتحدث المدير العام عن رؤيته لما تحقق منذ عام 1946، والدور الحاسم الذي يتعين على المنظمة مواصلة الاضطلاع به.
وقال العناني “إن اليونسكو، التي تأسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تقوم رسالتها على الإيمان بأن السلام الدائم يُبنى من خلال التربية والعلوم والثقافة والاتصال والمعلومات، فضلا عن التقريب بين الشعوب وتعزيز التفاهم المتبادل”.
وأضاف “أن اليونسكو اضطلعت على مدار ثمانية عقود بأدوار متعددة من بينها العمل مختبرا عالميا للأفكار ومركزا للتعاون الدولي، يجمع المعارف ويحشد الخبرات ويوفر مساحة للتأمل والحوار، بما يساعد على فهم التحولات الكبرى في المجتمعات واستشراف التحديات وإثراء السياسات العامة”.
وأوضح أن المنظمة كانت سباقة في تحديد عدد من التحديات العالمية ووضع استجابات جماعية لها، مستشهدا بإنشاء نظام الإنذار المبكر بأمواج التسونامي في المحيط الهادئ عقب زلزال تشيلي عام 1960، وإنشاء اللجنة الأوقيانوغرافية الحكومية الدولية في مطلع العقد نفسه، وإطلاق برنامج الإنسان والمحيط الحيوي عام 1971، فضلا عن البرنامج الهيدرولوجي الحكومي الدولي الذي أُنشئ عام 1975 لدعم البحوث المتعلقة بالموارد المائية وإدارتها وحوكمتها.
وأشار إلى أن إسهامات اليونسكو شملت كذلك دعم إتاحة التعليم للجميع ومكافحة الأمية وتدريب المعلمين، إلى جانب الدفاع عن حرية التعبير وسلامة الصحفيين وحق الوصول إلى المعلومات وصون التراث الوثائقي، بما يعزز بناء مجتمعات حرة ومستنيرة وقادرة على الصمود.
وفي المجال الثقافي، لفت العناني إلى الدور الأساسي الذي أدته الاتفاقيات الدولية التي أعدتها اليونسكو في تطوير آليات حماية التراث الثقافي والطبيعي، ومن بينها اتفاقيات عامي 1954 و1970، واتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لعام 1972، واتفاقيتا صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003 وحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي لعام 2005.
وأكد أن قوة المنظمة لا تقتصر على وضع الأطر والمعايير الدولية بل تمتد إلى تنمية القدرات البشرية والمؤسسية من خلال التدريب وتبادل المعارف ودعم السياسات العامة، بما يعود بالنفع على المعلمين والباحثين والفنانين والمتخصصين في التراث والصحفيين والقضاة وغيرهم.
وأضاف أن التعاون الدولي يمثل أحد الركائز الأساسية لعمل اليونسكو، مشيرا إلى أن إنشاء مركز “سيزامي” للبحوث في الشرق الأوسط، إلى جانب الحملات الدولية لصون التراث الثقافي في النوبة وأنغكور وبوروبودور والبندقية، يعكس قدرة المنظمة على بناء الجسور والحفاظ على الحوار وتعزيز التضامن الدولي.
وحول رؤيته ليونسكو تضع الإنسان في صميم رسالتها، أوضح العناني أن ذلك يعني اتخاذ إجراءات ملموسة لتحسين حياة النساء والرجال، وتعزيز حقوق الإنسان، وتقريب الشعوب وتمكينها من العيش والازدهار في ظل السلام والكرامة، دون تمييز أو إقصاء أو ترك أحد خلف الركب.
وأشار إلى أن هذه الرؤية تشمل الوقوف إلى جانب المعلمين والطلاب والعلماء والباحثين والمبتكرين والفنانين والصحفيين، فضلا عن الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، مع إيلاء اهتمام خاص لأفريقيا والمساواة بين الجنسين والشباب والدول الجزرية الصغيرة النامية.
وفيما يتعلق بالتطورات العلمية والتكنولوجية ولاسيما الذكاء الاصطناعي التوليدي، أكد المدير العام لليونسكو أن دور المنظمة يتمثل في وضع المبادئ وبناء أطر الثقة ومساندة المجتمعات، لضمان أن يتيح التقدم العلمي والتكنولوجي فرصاً حقيقية تعود بالنفع على الجميع.
وشدد على ضرورة تعزيز استخدام تكنولوجيات أخلاقية ومتاحة ومنصفة ومستدامة تخدم الإنسانية، وتمكّن الجميع من التعلم والتعليم والإبداع، وتدعم البحث والمعرفة، وتحد من أوجه عدم المساواة بدلاً من توسيعها، مع الحفاظ على حرية التعبير وإمكانية الوصول إلى معلومات عالية الجودة وسلامة الفضاء الرقمي.
وأوضح أن اليونسكو كانت سباقة في اعتماد توصيتها بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي عام 2021، وتعمل حاليا مع نحو 80 دولة عضوا على تحويل المبادئ الواردة فيها إلى سياسات وإجراءات عملية تتناسب مع احتياجات كل دولة، إلى جانب دعم البنية التحتية العلمية والقدرات البحثية والتبادلات الأكاديمية.
وأكد أهمية الاستثمار في التعليم والتدريب والتوعية بالتكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والتربية الإعلامية والمعلوماتية، بما يساعد الأفراد على الاستفادة من الفرص التي تتيحها هذه التقنيات وتنمية مهارات التفكير النقدي اللازمة للتعامل مع مخاطرها.
وشدد العناني على ضرورة إيلاء اهتمام خاص للأطفال والشباب، من خلال تمكينهم من الاستفادة من إمكانات التكنولوجيا الرقمية مع حماية حقوقهم ورفاههم وسلامتهم، كاشفا عن أن اليونسكو تعمل حاليا على إعداد صك معياري جديد مخصص لهذه المسألة، بمشاركة الدول الأعضاء والخبراء وشركاء القطاع الخاص والشباب أنفسهم.
وحول أولويات المنظمة خلال العقد المقبل، أعرب عن اقتناعه بأن اليونسكو ستضطلع بدور محوري في مساعدة المجتمعات على استشراف التحولات الاجتماعية والتكنولوجية والبيئية والديموغرافية والجيوسياسية وإدارتها، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع تداعياتها، بما يضمن استمرار توجيه التقدم لخدمة الإنسانية والسلام والتنمية المستدامة.
وأوضح أن ذلك يتطلب وضع الأفراد والمجتمعات في صميم العمل، وتعزيز التكامل بين مجالات اختصاص المنظمة، وتشجيع الحوار ودعم الفاعلين على الأرض، وترجمة الطموحات إلى نتائج ملموسة تستجيب لاحتياجات الشعوب وتطلعاتها.
وأشار إلى أن اليونسكو ستواصل دعم الدول في تطوير نظم تعليمية شاملة ومرنة وعالية الجودة، مع الحفاظ على الدور المحوري للمعلمين، وتعزيز العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية باعتبارها منفعة عامة عالمية؛ بما يشمل مجالات المياه والمحيطات والتنوع البيولوجي والتكنولوجيات الجديدة وفهم التحولات الاجتماعية والحد من أوجه عدم المساواة.
وأضاف أن المنظمة ستعمل كذلك على ترسيخ مكانة الثقافة باعتبارها موردا استراتيجيا ومحركا للتماسك الاجتماعي والقدرة على الصمود والإبداع وخلق فرص العمل والحوار بين الشعوب، إلى جانب مواصلة الدفاع عن حرية التعبير وسلامة الصحفيين والوصول إلى المعلومات ومواجهة المعلومات المضللة وخطاب الكراهية.
وأكد أن ما يميز اليونسكو هو قدرتها على الربط بين مختلف مجالات اختصاصها والعمل بصورة متكاملة، موضحا أن تحديات المستقبل، ومن بينها الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ وعدم المساواة وبناء السلام، تتطلب استجابات تجمع بين التربية والعلوم والثقافة والاتصال والمعلومات.
ولفت إلى أن تحقيق هذه الأهداف يستند إلى التزام الدول الأعضاء وتعزيز التعاون داخل منظومة الأمم المتحدة ومع المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني وشركاء القطاع الخاص، فضلا عن شبكة اليونسكو الدولية التي تضم أكثر من 10 آلاف مدرسة منتسبة ومراكز بحثية وكراسي لليونسكو ومدنا مبدعة ومدنا للتعلم ونوادٍ وجمعيات، إلى جانب نحو 2300 موقع يقطنها قرابة 900 مليون نسمة.
واختتم العناني بالتأكيد على أن ولاية اليونسكو أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى، معربا عن عزمه العمل خلال العقد المقبل على جعل المنظمة أكثر تكاملا وقربا من الميدان وسرعة في الاستجابة وتركيزا على تحقيق أثر ملموس في حياة الشعوب؛ بما يعزز دورها في خدمة السلام والإنسانية.










