كيف تتحول الكفاءات المصرية إلى خدمات ذات قيمة مضافة ونقد أجنبي؟
لم تعد المنافسة الاقتصادية تقتصر على تصدير السلع، بل امتدت إلى تصدير المعرفة والخدمات والمهارات. وفي هذا التحول، تمتلك مصر فرصة للاستفادة من قاعدة واسعة من الكفاءات، ليس فقط عبر إتاحة عملها للأسواق العالمية، بل بتحويل خبراتها إلى خدمات متخصصة ومنتجات رقمية تحقق قيمة مضافة وتدفقات مستدامة من النقد الأجنبي، في مسار يكمل تحويلات المصريين بالخارج.
ويعكس منتدى مصر 2026 تنامي الاهتمام بهذا التوجه، من خلال طرح التوسع في تصدير الخدمات المهنية والرقمية، وإنشاء مجلس تصديري للأنشطة الخدمية، إلى جانب استهداف توفير 200 ألف فرصة عمل في أنشطة التعهيد والاتصالات بحلول عام 2030. ويقوم التعهيد (Outsourcing) على إسناد الشركات بعض وظائفها إلى جهات متخصصة، للاستفادة من خبراتها ورفع كفاءة التشغيل.
وتنطلق مصر من قاعدة تصديرية متنامية؛ إذ بلغت صادرات التعهيد نحو 5.2 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، بما يمثل قرابة 70% من إجمالي الصادرات الرقمية البالغة 7.4 مليار دولار، وفقًا لتصريحات الرئيس التنفيذي لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا». كما بلغ عدد العاملين بالقطاع نحو 195.3 ألف عامل بنهاية يونيو 2026، موزعين على 252 شركة مصدرة و282 مركزًا لتقديم الخدمات.
وتستهدف «إيتيدا» زيادة الصادرات إلى 6.4 مليار دولار خلال 2026/2027، وأكثر من 8 مليارات دولار في 2027/2028. غير أن الرهان لا يتعلق بزيادة الصادرات والوظائف وحدهما، بل بالارتقاء بنوعية الخدمات؛ فبينما تتيح مراكز الاتصال والدعم ومعالجة البيانات فرصًا واسعة للتشغيل، تفتح أنشطة تطوير البرمجيات وتحليل البيانات والهندسة الرقمية والأمن السيبراني المجال أمام خدمات أكثر تخصصًا وعائدًا أعلى وتراكمًا للخبرات. ومن ثم، يكمن التحدي في الجمع بين التوسع الكمي والارتقاء النوعي، لتحويل المهارات المصرية إلى نشاط اقتصادي متكامل ينمي الشركات المحلية ويعزز القيمة المضافة وموارد النقد الأجنبي.
1- الذكاء الاصطناعي ومستقبل المنافسة: من تنفيذ العقود إلى امتلاك المنتجات
يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق الخدمات الرقمية، مع تزايد قابلية المهام الروتينية للأتمتة، مقابل تنامي الطلب على مهارات أكثر تخصصًا في تطوير البرمجيات وتحليل البيانات والأمن السيبراني وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ولا يعني ذلك بالضرورة اختفاء فرص العمل، بل تغير طبيعتها وتركيب المهارات المطلوبة؛ إذ قد تتراجع الحاجة إلى العمالة في بعض المهام، بينما تتوسع فرص جديدة تتطلب خبرات أعلى وإنتاجية أكبر. ومن هنا تبرز أهمية تطوير مهارات العاملين وإعادة تأهيلهم، وربط التدريب باحتياجات الشركات والأسواق الدولية، حتى تتمكن مصر من مواكبة التحول والانتقال إلى خدمات أكثر تخصصًا وقيمة.
قد يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي إلى رفع إنتاجية العاملين وزيادة قيمة الخدمات المقدمة دون نمو مماثل في أعداد الوظائف، وهو ما يجعل تقييم تطور القطاع مرتبطًا ليس فقط بحجم العمالة والصادرات، بل أيضًا بإنتاجية العامل والقيمة المضافة لكل عامل.
ويمكن توسيع هذا المسار ليشمل، إلى جانب تطوير المهارات وتنفيذ عقود العملاء بالخارج، بناء شركات مصرية تطور منتجات رقمية تمتلك حقوقها الفكرية وتستطيع تسويقها عالميًا. فهناك فارق بين تقديم خدمة بمقابل، وامتلاك منتج قابل للنمو وتحقيق إيرادات متكررة. ويتطلب ذلك تمويلًا طويل الأجل، وقدرة على تحمل مخاطر التطوير والاختبار، إلى جانب فهم الأسواق وبناء قنوات التسويق والتوزيع. ويمكن دعم هذا المسار من خلال رأس المال الجريء وصناديق الاستثمار وبرامج تمويل الابتكار، بدءًا من اختبار النماذج الأولية مع العملاء، وصولًا إلى التوسع التجاري وفقًا لجدواها الاقتصادية.
ويتطلب بناء هذه القدرات حماية الملكية الفكرية، وتوفير حوافز تتيح للمبتكرين والعاملين الاستفادة من نمو الشركات التي يساهمون في تطويرها. ويمثل تصميم الرقائق الإلكترونية والخدمات الهندسية المرتبطة بها مجالًا إضافيًا لتنويع الصادرات التقنية، لكنه يحتاج إلى كفاءات متقدمة واستثمارات وشراكات صناعية متخصصة.
وهكذا، لا يقتصر الطموح على تصدير المهارات وساعات العمل، بل يمتد إلى امتلاك المعرفة والمنتجات والأصول الرقمية القادرة على توليد عوائد مستدامة.
2- المنافسة الإقليمية واستدامة الكفاءات
تكشف التجارب الإقليمية أن النجاح في تصدير الخدمات لا يتوقف على توافر الكفاءات، بل على توظيفها في تخصصات تلائم احتياجات الأسواق. فقد استفاد المغرب من قربه الجغرافي من أوروبا وتعدد اللغات لجذب خدمات الاستعانة الخارجية، فيما طوّر الأردن حضورًا في البرمجيات والخدمات الرقمية الموجهة للتصدير، وطوّرت تونس قدراتها في تطوير البرمجيات والخدمات التقنية.
وتشير هذه التجارب إلى أن بناء ميزة تنافسية مستدامة يتطلب تحديد تخصصات تصديرية واضحة وربطها بأسواق مستهدفة، بدلًا من الاعتماد على ميزة التكلفة وحدها. ومن هنا، تبرز أمام مصر أهمية توظيف مزاياها في المهارات واللغات والموقع الجغرافي لتطوير خدمات تتوافق مع احتياجات العملاء الدوليين، مع توجيه التدريب والاستثمار نحو التخصصات الأكثر طلبًا، بما يعزز قدرتها على جذب العقود ورفع القيمة التصديرية.
وتوفر أسواق الخليج وأوروبا فرصًا أمام الشركات المصرية، لكنها تتطلب مواءمة الخدمات مع المعايير المهنية والتنظيمية ومتطلبات حماية البيانات. كما أن المنافسة لا تقوم على تكلفة العمالة وحدها؛ ففجوة الأجور قد تمنح مصر ميزة سعرية، لكنها قد تدفع الكفاءات الأكثر خبرة إلى العمل لصالح جهات أجنبية عن بُعد، ما لم تتوافر محليًا أجور ومسارات مهنية تنافسية.
ولا يعني العمل عن بُعد فقدان الاقتصاد للكفاءات أو الإيرادات، بل يتيح للمصريين تقديم خدماتهم لجهات أجنبية والحصول على دخل بالعملة الأجنبية دون مغادرة البلاد. ويعتمد تصنيف هذه التدفقات على طبيعة العلاقة التعاقدية والإقامة الاقتصادية؛ فإيرادات المستقلين قد تُسجل ضمن صادرات الخدمات، بينما تُصنف أجور العاملين لدى جهات أجنبية، وفق شروط الإقامة، ضمن تعويضات العاملين. وهو ما يبرز أهمية تطوير البيانات الإحصائية لتحديد هذه التدفقات بدقة وتجنب ازدواج احتسابها، مع توفير بيئة مهنية تشجع الكفاءات على العمل من داخل مصر وتراكم الخبرات محليًا.
3- الملكية المحلية والقيمة المضافة والبيئة المالية
لا يتحدد العائد من صادرات الخدمات الرقمية بحجم الإيرادات والوظائف فقط، بل بمقدار القيمة التي يحتفظ بها الاقتصاد المحلي. فالشركات الأجنبية قد تسهم في التدريب ونقل الخبرات وزيادة الصادرات، بينما لا تضمن الملكية المصرية وحدها ارتفاع القيمة المضافة، خاصة مع الاعتماد على مدخلات وتراخيص مستوردة. لذلك، ينبغي التمييز بين ملكية الشركات والقيمة المضافة محليًا وصافي التدفقات المالية عبر الحدود.
ويتطلب تعزيز الصادرات تيسير المعاملات المصرفية الدولية، وخفض تكلفة التحصيل وتسريع المدفوعات وتوضيح المعاملة الضريبية للعقود، مع إجراء مسح للشركات المصدرة لتحديد العقبات ومعالجتها بالتعاون مع البنوك والجهات التنظيمية.
كما ترتبط التنافسية بجودة الاتصالات واستقرار الطاقة وتوافر مراكز البيانات، وضمان استمرارية الأعمال والالتزام بقواعد حماية البيانات، بما فيها اللائحة الأوروبية العامة عند انطباقها. ويمكن للمشتريات الحكومية دعم الشركات الرقمية المحلية عبر إتاحة فرص تنافسية لاختبار حلولها وفق معايير واضحة للأداء والتكلفة والأمن السيبراني، بما يساعدها على بناء خبرات وسجل أعمال يؤهلانها للتوسع دوليًا.
4- المجلس التصديري: من التنسيق إلى النتائج القابلة للقياس
يمكن للمجلس التصديري المقترح أن يؤدي دورًا تكميليًا في تمثيل قطاع الخدمات المهنية والرقمية وتنسيق جهوده التصديرية، مع التكامل مع اختصاصات «إيتيدا» والبنك المركزي والجهات الضريبية والتنظيمية. ويرتكز دوره على أربعة مسارات وهي:
– رصد الأسواق والمناقصات والفرص الدولية وتحليلها.
– تطوير قاعدة معلومات قطاعية قابلة للتحديث عن الصادرات حسب نوع الخدمة والوجهة والشركة، بالاستفادة من البيانات المتاحة مع ضمان السرية التجارية.
– تحديد المعوقات الضريبية والتعاقدية والمصرفية ورفع مقترحات معالجتها إلى الجهات المختصة.
– تسهيل وصول الشركات المصرية، خاصة الصغيرة والمتوسطة، إلى المشترين الدوليين والعقود وسلاسل التوريد، ويشمل ذلك التنسيق مع الجهات المعنية لتيسير التعاملات متعددة العملات، وتوضيح المعاملة الضريبية للخدمات المصدرة، وتبسيط إجراءات توثيق الإيرادات الأجنبية وتحصيل المستحقات وتحويلها.
ويتطلب تنفيذ هذه المهام وجود أمانة فنية دائمة تضم ممثلين عن القطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة والجهات الحكومية ذات الصلة، إلى جانب ميزانية معلنة وآليات واضحة للمتابعة وتقييم الأداء. وتتمثل الأولوية في ربط أنشطة المجلس بنتائج عملية قابلة للقياس، تشمل نمو الصادرات، والنفاذ إلى أسواق جديدة، وزيادة عدد الشركات المصدرة، وإبرام عقود جديدة، وتوسيع استفادة الشركات الصغيرة والمتوسطة، فضلًا عن تعزيز مساهمة الخدمات المتخصصة والمنتجات القائمة على ملكية فكرية محلية. كما تبرز أهمية متابعة صافي التدفقات بالعملة الأجنبية على مستوى القطاع وفق منهجية إحصائية واضحة، تميز بينها وبين إجمالي قيمة الصادرات والقيمة المضافة المحلية.
وتخضع خطة المجلس ومؤشرات أدائه لمراجعة دورية معلنة، ترصد مدى التقدم في تحقيق المستهدفات، ومستوى رضا الشركات عن الخدمات المقدمة، وكفاءة التنسيق في إحالة المعوقات ومتابعتها مع الجهات المختصة. وتسهم نتائج هذه المراجعة في تحديد فرص التطوير وتحديث الأولويات، بما يعزز فاعلية المجلس ويربط أنشطته بمردود اقتصادي ملموس على القطاع. وفي المحصلة، لا يتوقف نجاح مصر في تصدير الخدمات المهنية والرقمية على زيادة الإيرادات والوظائف فحسب، بل على تحويل قاعدة الكفاءات إلى قدرات إنتاجية وتصديرية متقدمة، تجمع بين التعهيد والخدمات التقنية والهندسية المتخصصة وتطوير المنتجات والأصول المعرفية. فالمكسب الاستراتيجي الأهم هو بناء منظومة قادرة على تحويل المهارات إلى منتجات وخدمات تنافسية، تعزز القيمة المضافة المحلية وموارد النقد الأجنبي ومكانة مصر في الأسواق العالمية.










