في بداية الطريق نصدق أن العالم يشبه قلوبنا. نظن أن الطيبة ستقابل بالطيبة، وأن الصدق سيجلب الصدق، وأن احترامنا للناس سيضمن احترامهم لنا. نؤمن أن نقاء نوايانا يكفي ليحمينا من قسوة الآخرين، وأن الخير الذي نقدمه سيعود إلينا يومًا مضاعفًا. لكن الحياة تمضي بنا لتكشف حقيقة ربما تكون مؤلمة، وهي أن العالم لا يعاملنا دائمًا بما نحمله في قلوبنا، بل بما نسمح به، وبما نرسمه من حدود، وبما نفرضه من احترام لأنفسنا.
ولعل أجمل ما عبّر عن هذه الحقيقة قول الدكتور أحمد خالد توفيق: “اعتقادك أن العالم سيعاملك بلطف لأنك إنسان طيب، يشبه اعتقادك أن الأسد لن يأكلك لأنك شخص نباتي”. فالحياة لا تمنح الحماية للطيبين لمجرد أنهم طيبون، كما أن الذئاب لا تميز بين فريسة بريئة وأخرى مذنبة.
ومن هنا جاءت العبارة التي يسيء كثيرون فهمها: “تذأب كي لا تأكلك الذئاب”. وهي ليست دعوة إلى أن تصبح قاسيًا أو ماكرًا أو ظالمًا، وليست دعوة إلى أن تتخلى عن أخلاقك حتى تنجو، بل هي دعوة إلى أن تتسلح بالوعي، وأن تحمي نفسك، وأن تدرك أن الطيبة بلا حدود قد تتحول إلى باب واسع للاستغلال.
أن تتذأب لا يعني أن تتحول إلى ذئب، بل إن تتوقف عن أن تكون فريسة. أن تعرف أن اللين ليس مناسبًا لكل المواقف، وأن الصمت ليس دائمًا حكمة، وأن التسامح لا يعني السماح بتكرار الإساءة، وأن حسن الظن لا يعفيك من حسن التقدير.
فالفرق كبير بين الطيبة والسذاجة. الطيب يمنح لأنه يريد أن يمنح، لكنه يعرف متى يتوقف. أما الساذج فيستنزف نفسه وهو يظن أن التضحية المستمرة فضيلة. الطيب يسامح من أخطأ، لكنه لا يمنحه الفرصة ذاتها ليؤذيه مرة أخرى. والطيب يحترم الجميع، لكنه لا يسمح لأحد أن يمس كرامته أو يقلل من قيمته.
كم من أشخاص دخلوا الحياة بقلوب نقية، فظنوا أن العالم سيرى في طيبتهم جمالًا، بينما رآها البعض فرصة سهلة للاستغلال. لم تؤذهم الحياة بقدر ما آذاهم اعتقادهم أن الجميع يحمل الضمير نفسه، وأن كل ابتسامة صادقة، وأن كل وعد سيُوفى به. ومع كل خيبة، لم يكن المطلوب منهم أن يفقدوا إنسانيتهم، بل أن يكتسبوا الحكمة.
فالوردة لا تتخلى عن جمالها لأنها أحاطت نفسها بالأشواك، بل إن أشواكها هي التي حفظت جمالها. وكذلك الإنسان، لا يفقد طيبته حين يضع حدودًا، ولا يخسر أخلاقه حين يقول “لا”، ولا يصبح قاسيًا لأنه قرر ألا يسمح لأحد باستباحة قلبه أو كرامته.
إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الذئاب، لكنه أيضًا لا يرحم من يصر على أن يعيش بلا وعي. لذلك، لا تتخلَّ عن نقاء قلبك، ولا تسمح للقسوة أن تسكن روحك، لكن تعلّم أن تكون قويًا بما يكفي لتحمي نفسك، وحكيمًا بما يكفي لتعرف من يستحق قربك، وشجاعًا بما يكفي لترحل عن كل مكان يقلل من قيمتك.
تذأب.. لا لتشبه الذئاب، بل حتى لا تصبح فريسة لها. فالقوة الحقيقية ليست أن تفقد إنسانيتك، وإنما أن تحافظ عليها، دون أن تسمح لأحد أن يجعلها سببًا في انكسارك.










