لا يختلف اثنان على أن الفول والطعمية والوجبات الشعبية جزء أصيل من الحياة اليومية للمصريين، فهي وجبة ملايين المواطنين، ومصدر رزق لآلاف الأسر.
لكن الحفاظ على هذا الموروث الجميل لا يكتمل إلا إذا صاحبه التزام حقيقي بالنظافة والاشتراطات الصحية، لأن الأمر هنا لا يتعلق بالطعام فقط، بل بصحة الإنسان.
وخلال جولة في عدد من المناطق الشعبية، يلاحظ المواطن مشاهد تدعو إلى القلق؛ فهناك بعض عربات الفول والطعمية، وبعض المطاعم الصغيرة، التي تعمل في ظروف لا تتوافق مع أبسط قواعد النظافة، دون أن يعني ذلك تعميمًا على الجميع، فهناك نماذج محترمة تلتزم بالاشتراطات الصحية وتستحق كل التقدير.
لكن في المقابل، توجد أماكن يلاحظ فيها استخدام زيوت طهي تغير لونها بشكل واضح نتيجة تكرار استخدامها مرات عديدة، أو أوانٍ تحتاج إلى عناية أكبر، أو طرقًا في حفظ الأغذية قد تستوجب مراجعة من الجهات المختصة. وهذه الملاحظات لا ينبغي تجاهلها، لأن الغذاء الآمن هو حق أصيل لكل مواطن. كما أن بعض المحال وعربات الطعام تعمل في الشارع المكشوف، وسط الأتربة وعوادم السيارات، دون وسائل كافية لحماية الطعام من التلوث، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى الالتزام بالاشتراطات الصحية.
والنظافة لا تتوقف عند نظافة الأواني أو أدوات الطهي فقط، بل تبدأ من الشخص الذي يُعد الطعام ويقدمه للمواطن. فالمظهر العام للعامل، ونظافة الملابس، وغسل اليدين باستمرار، وارتداء غطاء للرأس عند الحاجة، والاهتمام بالنظافة الشخصية، كلها أمور لا تقل أهمية عن نظافة الطعام نفسه. فالمواطن حين يقف أمام عربة فول أو يدخل مطعمًا، فإنه يأكل بعينيه قبل أن يأكل بيده، والمظهر النظيف يمنحه الثقة والاطمئنان.
ولا يليق أن نجد مقدم الطعام بملابس غير نظيفة، أو يدخن أثناء إعداد الوجبات، أو يتعامل مع النقود ثم يباشر إعداد الطعام دون مراعاة للاشتراطات الصحية، فهذه ممارسات قد تبدو بسيطة للبعض، لكنها قد تكون سببًا في انتقال الأمراض والإضرار بصحة المواطنين.
إن القضية ليست في التضييق على أصحاب المشروعات الصغيرة، فهم شركاء في الاقتصاد، ويكسبون رزقهم بعرقهم، بل في مساعدتهم على الالتزام بالمعايير الصحية، وحماية المواطن في الوقت نفسه.
فالرقابة ليست عقوبة، وإنما وسيلة للحفاظ على الصحة العامة ورفع جودة الخدمة، كما أن الالتزام بالنظافة يجذب الزبائن ويزيد الثقة في المكان، ويعود بالنفع على صاحب النشاط نفسه.
ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى تكثيف الحملات الرقابية من الجهات المختصة، سواء من مديريات الشؤون الصحية، أو الهيئة القومية لسلامة الغذاء، أو الوحدات المحلية، مع استمرار حملات التوعية لأصحاب المحال بأهمية الالتزام بالنظافة، وتغيير زيوت القلي في مواعيدها، والحفاظ على أدوات إعداد الطعام وتخزينه بصورة سليمة.
كما أن المواطن نفسه شريك في هذه المنظومة، فعليه أن يختار المكان النظيف، وألا يشجع أي محل يهمل في صحة الناس، لأن الإقبال على المحال الملتزمة هو أفضل رسالة لكل من يستهين بمعايير الجودة. وفي ظل ما تشهده الدولة من اهتمام كبير بمنظومة الصحة العامة، وتطوير الخدمات، فإن الارتقاء بمستوى النظافة في محال الأغذية الشعبية يجب أن يكون جزءًا من هذا التطوير، لأن الوقاية دائمًا أقل تكلفة من العلاج، وصحة المواطن أغلى من أي مكسب.
ورسالتي إلى الجهات المعنية: كثفوا الرقابة، واستمروا في التفتيش، وادعموا الملتزمين، وحاسبوا المخالفين وفق القانون.
ورسالة إلى أصحاب المحال: الزبون لا يطلب المستحيل، بل يطلب طعامًا نظيفًا وآمنًا يقدَّم باحترام، لأن البركة في الرزق تبدأ من الأمانة، وصحة الناس أمانة في أعناق كل من يقدم لهم طعامًا.










