استيقظت هذا الصباح على وخز غريب في الروح، كأن شيئًا ما في أعماقي قد انكسر دون صوت. لا أدري تحديدًا كيف حدث هذا. ربما كان الحلم ثقيلًا، أو كان النوم مضطربًا، ربما كان العقل الباطن قد قرر أن يعلن عصيانه المدني على واقعي التعس. المهم أني استيقظت ويداي ترتجفان قليلًا، أمسكت بهاتفي المحمول- ذلك التابوت الزجاجي الشفاف الذي ندفن فيه ساعات عمرنا واحدة تلو الأخرى بلا رحمة – وفتحت تطبيق “تيك توك” بلا وعي. أنا لا أحب هذا التطبيق. أنا أكرهه في الحقيقة. لكني مثل مدمن يذهب إلى الحانة وهو يعرف أنه سيتقيأ بعد ساعتين. إدمان التفاهة لا يقل شراسة عن إدمان الهيروين، لكنه أرخص ثمناً وأكثر إباحة، بل ويكاد يكون مفروضًا علينا كضريبة وجود.
ما حدث بعد ذلك لا أستطيع وصفه بدقة، لقد هاجمتني الأغاني، نعم، هاجمتني، لم تترفق بي، لم تمهلني لأشرب قهوتي أو أعدل من وضع جلستي. انقضت علي من خلف الشاشة كقطاع طرق عاطفيين، يحملون في حقائبهم كل ما أملك من ذكريات. أغاني السبعينيات والثمانينيات. أصوات لا أعرف كيف تسللت إلى خوارزميات هذا التطبيق الصاخب، الذي يفترض أن يقدمني لرقصات مراهقين وتحديات حمقاء. لكن الخوارزميات أحيانًا تصيبها حالات من الصدق المفاجئ، كأنها تذكرت فجأة أن لها ضميرًا، أو كأن للجمال قدرة على اختراق كل الأسوار.
انهمرت الأصوات.
أم كلثوم، عبد الحليم حافظ، فيروز، محمد عبد الوهاب، بليغ حمدي، الشيخ إمام، محمد منير في بداياته البريئة قبل أن يصبح أيقونة تجارية، الشاب خالد حين كان يغني وهو مؤمن أن الموسيقى يمكن أن تغير شيئًا في هذا العالم، محمد عبده، طلال مداح، صباح فخري، وديع الصافي، أسمهان وهي تبكي بنشوة، ليلى مراد وهي تهمس، ونجاة الصغيرة وهي تفتح جرحًا كنت تظنه التأم إلى الأبد.
أصوات خلابة.
هذا هو الوصف الوحيد المناسب هي ( أصوات خلابة)، كأنها تسحرك، تسحب الروح من الجسد برفق، تغسلها بماء الذهب، ثم تعيدها إليه نقية كأنها ولدت من جديد. أشعار نزار قباني، صلاح جاهين، عبد الرحمن الأبنودي، سيد حجاب، إبراهيم ناجي، أحمد رامي. كلمات لا تشبه هذا الزمن. كلمات مكتوبة بعرق الجبين ودموع العيون وأرق الليالي. ألحان منسوجة كأنها تعويذات. أصوات مدربة وكأنها كاتدرائيات متنقلة تحمل في أروقتها صلوات العاشقين.
سال دمعي.
لم يكن بكاء عاديًا. لم يكن شجنًا عابرًا. كان بكاء طربيًا فرحًا حزينًا خائفًا غاضبًا متسائلاً، كان بكاء مركبًا كأنه قصيدة لخليل مطران، كان بكاء فيه من كل بحر قطرة، كنت أبتسم وأبكي كرجل عجوز وجد صورة حبيبته القديمة في صندوق مهمل تحت السرير، فأصابه من الفرح ما أصابه من الحزن، فبكى الاثنين معًا.
ثم جاء السؤال. السؤال الذي لسعني كما تلسع نحلة عنيدة لا تعرف إلا الحقيقة أين كنا؟ وكيف صرنا هكذا؟ ولماذا؟!
وهنا قررت أن أكتب هذا المقال. قد لا يقرؤه أحد. قد يكون صرخة وحيدة تائهة في صحراء هذا الزمن الأصم. لكني سأكتبه على أية حال. لأني أومن أن الكتابة نوع من أنواع الانتقام. انتقام من النسيان الذي يطاردنا كالوحوش. انتقام من التفاهة التي تغرقنا كالوحل. انتقام من الموت الذي ينتظرنا جميعًا في نهاية الطريق.
دعونا نتفق على شيء أساسي، نحن لم نكن في جنة.
هذه خدعة الحنين الكبرى، الذاكرة البشرية انتقائية بشكل مقزز، تختار ما يعجبها وترمي الباقي في مزبلة النسيان. حين نتذكر السبعينيات نتذكر الأغاني والأفلام والملابس الأنيقة، ونتناسى هزيمة 1967 التي كانت ما تزال جاثمة على صدر مصر كغول أسطوري. نتناسى حرب 1973 وجراحها وتوابيتها وأراملها. نتناسى طوابير الخبز والجبن والسكر والزيت. نتناسى الانفتاح الاقتصادي المشوه الذي خلق طبقة من الأثرياء الجدد على حساب طبقة من الفقراء الجدد أيضًا.
لم نكن في جنة، كنا في زمن قاس معدم مليء بالتناقضات المرعبة. لكن.. وسط هذا العدم، كانت هناكواحة. واحة الأهمية!
كانت للكلمة قيمة، للصوت قيمة، للفنان قيمة، قيمة تتجاوز فكرة “الترند” و”المشاهدات” و”عدد المتابعين”. لم يكن أحد يسأل هذه الأغنية حققت كم مشاهدة؟ كان السؤال هذه الأغنية جميلة؟ أم رديئة؟ فقط. الجمال كان قيمة في ذاته، كالشمس لا تسأل عن عدد من ينظرون إليها. الفن كان رسالة. الأغنية كانت حدثًا وطنيًا. تخيل! حدثًا وطنيًا ينتظره الملايين.
كانوا عمالقة!
كانوا عمالقة بالفعل، عمالقة يبنون صروحًا من النغم والمعنى، عمالقة يحفرون في الصخر، عمالقة لا يعرفون الراحة. بليغ حمدي كان يخلق كونًا موسيقيًا كاملاً في تتر مسلسل، تتر لا يتجاوز دقيقتين، ومع ذلك تشعر أنك أمام ملحمة هوميروس. عبد الوهاب كان يقول: “ولا بيك ولا بيا.. ولا إنتي ولا إيا”، فيغوص في فلسفة القدر والمشيئة الإلهية في أربع دقائق ونصف، وكأنه يختصر كل أسئلة الوجود.
كنا في زمن كان الفنان فيه مثقفًا يقرأ، يسافر، يجادل، يتعلم. لم يكن مجرد وجه جميل وصوت مقبول ومهندس صوت يضبط النشاز إلكترونيًا. الأبنودي كان شاعرًا فلاحًا يحمل طين مصر تحت أظافره. صلاح جاهين كان فيلسوفًا يكتب بالعامية ما تعجز عنه الفلسفة. سيد حجاب كان صوفيًا معاصرًا. نزار قباني كان ثائرًا على التخلف باسم الحب والجمال. أحمد فؤاد نجم كان يكتب “يعيش أهل مصر” في زنزانة الانفرادي. الشيخ إمام كان يغني للفقراء وهو أفقر الفقراء.
كنا في زمن كانت الأغنية فيه فعلًا سياسيًا لا “بوست” فيسبوكي منافق. الأغنية كانت موقفًا. الأغنية كانت انحيازًا. الأغنية كانت دمًا ولحمًا.
أين كنا؟ كنا في مكان ما بين الحلم والوجع. كنا بشرًا لهم قضايا، لا مستهلكين لهم نزوات. كنا نحب ونكره ونحزن ونفرح ونموت ونحيا.. وكان للفن أن يعبر عن هذا كله. كان الفن مرآتنا. مرآة صادقة قاسية جميلة.
أنثروبولوجيا الانحدار.. كيف صرنا؟
والآن.. دعونا نمسك بالمشرط، سوف أشرح لكم الجثة، جثة الذائقة الجميلة التي تقتل أمام أعيننا كل يوم، ونحن نتفرج كمتسكعين على رصيف التاريخ، وأيدينا في جيوبنا، وأفواهنا ممتلئة بالشيبسي والفشار.
كيف سمحنا بأن يتم قتل أم كلثوم إلى.. لا داعي لذكر أسماء. أنتم تعرفونهم. أولئك الذين يظهرون فجأة ويختفون فجأة. أولئك الذين يشبهون الوجبات السريعة؛ يملئون المعدة ويتلفون الصحة. أولئك الذي لا تحفظ لهم أغنية واحدة لكنك تعرف أسماءهم لأن الخوارزميات تجبرك على ذلك.
كيف صرنا هكذا؟
اسمحوا لي أن أجادل بأن المسألة ليست اختلاف أذواق بين جيلين. فهذه كذبة يروجها المستفيدون، أو حيلة دفاعية يستخدمها صناع التفاهة كي يغسلوا أيديهم من الدم! كأن يقول لك قاتل: “هذا ليس قتلاً، هذا مجرد اختلاف في وجهات النظر حول مفهوم الحياة”. كلا. المسألة تحول حضاري كامل. المسألة أقرب إلى مؤامرة كونية لتفريغ الإنسان من إنسانيته.
أولاً: إعادة تعريف النجاح.
في الماضي، كان النجاح مرادف للخلود، كانت أم كلثوم تغني للتاريخ، كانت تسأل نفسها كيف سيتذكرني الناس بعد مائة عام؟ وكان بليغ حمدي يلحن وكأنه ينحت في الصخر، لا يهمه أن تمر سنة أو سنتان قبل أن يفهم الناس عبقريته. اليوم، النجاح يقاس بعدد مرات “السحب” و”التمرير” و”المشاهدات”. الفيديو يختفي بعد أربع وعشرين ساعة. الأغنية تعيش أسبوعًا واحدًا. لا أحد يتذكر شيئًا.
أنت لست جمهورًا يحترم، أنت “مستخدم” يستنزف، “متابع” يحصى، أو رقم في تقرير يرفع إلى المعلنين. لا أحد يهتم بذائقتك. المهم أن تضغط. أن تتفاعل. أن تشتري.
ثانيًا: تدمير مفهوم التلقي.
لكي تسمع عبد الحليم حافظ وهو يغني “قارئة الفنجان” تحتاج إلى شيء صار عملة نادرة في هذا الزمن هو الانتباه. تحتاج أن تجلس في هدوء. أن تمسك كلمات الأغنية وتقرأها معه. أن تشم رائحة القهوة والسحر في صوت نزار قباني. أن تتخيل. أن تحلم. أن تطير بعيدًا عن جسدك الثقيل.
اليوم.. كل شيء يصرخ.
الأغنية لا تدخل إلى أذنك، الأغنية تقتحم أذنك، تنفجر في جمجمتك. موجة “دوبستيب” و”أوتوتيون” وإيقاع صاخب وكلمات لا تتجاوز مفردات طفل في الرابعة من عمره: “أنا جامد.. أنتِ جامدة.. فلوسي.. عربيتي.. صحابي اللي بيكرهوني”. الأغنية التي تتجاوز ثلاث دقائق تصبح أوبرا طويلة مملة. الكلمة التي تحتاج إلى قاموس تصبح فذلكة وفلسفة زايدة!.
لقد أصيب الجمهور بقصور انتباه جماعي.
نحن مشتتون، مشتتون بين الإشعارات والرسائل والتطبيقات والأخبار العاجلة. لا وقت لدينا للتأمل. لا صبر لدينا للاستماع. نريد كل شيء سريعًا. سريعًا جدًا. نريد الأغنية مثل وجبة “البرجر”: جاهزة في دقيقتين، تؤكل في دقيقة، وتنسى في ثلاثين ثانية.
ثالثًا: من ثقافة ال “نحن” إلى عبادة “الأنا”.
الأغاني القديمة، حتى العاطفية منها، كانت كونية إنسانية.
حين تغني فيروز “أعطني الناي وغني”، أنت لا تسمع أغنية حب. أنت تصغي إلى صلاة قدسية ، صلاة الفنان الذي يسأل عن معنى الحياة والموت والفناء والخلود. حين تغني أم كلثوم “الأطلال”، أنت لا تستمع إلى شكوى عاشقة مهجورة. أنت تشهد تشريحًا كاملاً للروح الإنسانية. الروح التي تحب وتفقد وتتذكر وتذوي.
حتى الأغاني الشعبية. اسمعوا محمد عبد المطلب وهو يغني: “أسأل مرة عليا “. هذه ليست أغنية. هذه ملحمة. هذه أسطورة إغريقية بلسان مصري.
اليوم.. كل شيء يدور في فلك ضيق. فلك “الأنا”. “أنا”. “عربيتي”. “فلوسي”. “حبيبتي اللي سابتني”. “صحابي اللي خونوني”. العالم كله أصبح مرآة يرى فيها المغني صورته. والناس تسمع لأنها ترى صورها أيضًا. كل واحد فينا صار نرجسًا صغيرًا. ننظر في شاشة الهاتف كما نظر نرجس في بركته. نغرق في صورنا الذاتية. نموت اختناقًا بأنانيتنا.
سيكولوجيا الصوت.. لماذا بكيت؟
عدت إلى لحظة البكاء. لماذا سالت دموعي؟ هل هو حنين أعمى؟ هل هو ضعف ؟ هل هو انهيار عصبي صغير؟
لا، ليس هذا، ولا ذاك.
البكاء كان أعمق من الحنين، أنا لم أبكِ على الماضي، لم أبكِ على زمن ولى ولن يعود، بكيت على الحاضر، بكيت على ما صرنا إليه، ثم بكيت لأني تذكرت فجأة.. أني إنسان، أن لي روحًا، و أن هذه الأصوات الخلابة لم تكن مجرد أصوات، كانت اعترافًا ضمنيًا بأننا كائنات معقدة، كائنات تستحق أن يغنى لها عن الفقد، والوجد، والوطن، والموت، والقدر، والغربة. كانت الفنون تخبرنا، بطريقة غير مباشرة، أننا مهمون. أن معاناتنا جديرة بالتأمل. أن أفراحنا جديرة بالتخليد. أننا لسنا مجرد أرقام في تعداد سكاني.
ما حدث لي هذا الصباح يشبه ما يحدث لسجين يرى شعاع الشمس فجأة بعد أعوام في الزنزانة.
العينان تدمعان. لا من جمال الشمس وحده. بل من تذكر أنه كان حرًا. كان حرًا ولا يعرف معنى الحرية. بكيت من هذا الإحساس المرعب بالتشوه. التشوه الذي أصاب سمعنا وبصرنا ووجداننا. بكيت لأني أعرف أن الطفل الذي يسمع اليوم هذه الأغاني الجديدة، لن يبكي أبدًا حين يكبر. لن يبكي لأنه لن يجد شيئًا يستحق البكاء عليه. لن يجد ذكرى جميلة. لن يجد أغنية تذكره بحب قديم أو وجع نبيل. أغانيه كلها عن الاستهلاك. عن الجنس السريع. عن المال السهل. كيف سيبكي على شيء كهذا؟
بكيت لأننا في غيبوبة. غيبوبة جماعية. ونضحك. ونلتقط الصور. وننشرها. ولا نريد أن نفيق.
والآن.. السؤال الأعمق. السؤال الذي يخيفني. لماذا؟ لماذا حدث هذا الانحدار؟ لماذا سقطنا من علو شاهق إلى قاع سحيق؟ هل نحن ضحايا؟ أم متواطئون؟ هل هناك مؤامرة؟ أم أننا ببساطة.. أغبياء؟










