قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الوسواس بابٌ من أبواب الابتلاء، وقد أرشدنا الشرع إلى كيفية التعامل معه، وبيَّن أن ما يرد على القلب ليس على مرتبة واحدة؛ فمنه خاطرٌ عابر لا يؤاخذ به الإنسان، ومنه وسواسٌ إذا استرسل معه صاحبه قد يتحول إلى حالة تحتاج إلى علاج.
وأضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن الشخص الذي تأتيه الوساوس ينبغي أن يعلم أنها من قبيل الخواطر، وأنه غير مؤاخذ عليها ما دام يكرهها، ويقاومها، ويتجاوزها.
وأرشدنا النبي ﷺ عند ورود الوسواس إلى الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: 268].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: 60].
فعلى العبد أن يشتغل بدفع هذا العدو، وأن يقول لنفسه: هذا إلقاء شيطاني، وهذا خاطر لا أؤاخذ عليه، ولكنه ضار في ديني ودنياي، ولابد أن أتخلص منه وأتجاوزه.
وكلنا قد وردت علينا الوساوس، واستطعنا أن نتجاوزها. وقد قال النبي ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ شَيْطَانٌ». قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وَأَنَا، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ».
فإذا قاوم الإنسان الوسواس في بدايته، واستعاذ بالله، وأعرض عنه، انتهى أمره بإذن الله.
أما إذا استمر الوسواس، وتمكَّن من الإنسان، وأصبح يعطِّل حياته أو عبادته أو علاقاته، فقد يكون قد تحول إلى حالة مرضية تحتاج إلى طبيب مختص؛ لأن الموعظة وحدها عندئذ قد لا تكفي.
والوسواس قد يكون خاطرًا عارضًا يمكن مقاومته وعدم الاسترسال معه، وقد يتحول إلى وسواس قهري يحتاج إلى علاج متخصص.
أما الوسواس البسيط، فيستطيع الإنسان أن يتغلب عليه بالموعظة الدينية، والحكمة، والآيات، والتدبر، والمقاومة، وعدم الاسترسال.
وأما الوسواس القهري، فيحتاج إلى مراجعة الطبيب أو المعالج المختص، والالتزام بالخطة العلاجية، وألا يوقف المريض دواءه بمجرد أن يشعر بالتحسن إلا بعد الرجوع إلى طبيبه.
ومجالات الوسواس كثيرة؛ فقد يأتي في النظافة، أو الوضوء، أو الصلاة، أو اتهام الآخرين، أو الشعور بأن الناس يضطهدونه أو يراقبونه، وغير ذلك من الصور.
فالواجب أن يُقاوم الوسواس في بدايته، وأن يُطلب العلاج عند تحوله إلى مرض؛ لأن الشرع أمرنا بحفظ الدين والنفس والعقل.
ولذلك قال سيدنا رسول الله ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ».


