قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن كلمة «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» كلمةُ السواء بيننا وبين رب العالمين، يُنبِّهنا الله سبحانه وتعالى إلى مبناها، ويأمرنا بتحقيق معناها، ويكررها علينا في كتابه مرةً بعد مرة؛ لأنها حقيقة وجودنا في العالمين، وأصل طريقنا إلى رب العالمين.

واضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أنه من تمام معناها أن يستقر في القلب أن الملك كله لله، وأن الخلق كلهم له، وأن الأمر كله بيده؛ فلا يُخاف إلا هو، ولا يُلتجأ إلا إليه، ولا يتعلق القلب بما سواه.

ومن الآيات التي تُرسِّخ هذه الحقيقة في النفس قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284].

هذه آية تلخص طريق المسلم في حياته، وتضع له منهاجًا يسير عليه في عبادته وسلوكه وصلته بربه؛ إذ تعلن في قلبه أن الله سبحانه هو المالك، الخالق، الرازق، المحيي والمميت، وأن كل ما في السماوات والأرض له وحده.

وقد قدَّم ربنا قوله: ﴿لِلَّهِ﴾؛ ليدل على الاختصاص، أي: لله وحده ما في السماوات وما في الأرض. وعبَّر بقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ ليشمل جميع المخلوقات: الإنس والجن، والحيوان والنبات والجماد، والأحياء والأموات، والمتحرك والساكن؛ فكلهم خلقه وملكه، وتحت قدرته وتدبيره.

ولم يخبرنا القرآن بأن ما في السماوات والأرض لله فحسب، بل أخبرنا أن السماوات والأرض أنفسهما ملك له، فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.

فالموجودات لله، والسماوات والأرض لله، وما بينهما لله؛ الظرف والمظروف، والخلق والملك، والأمر والتدبير، كلها له سبحانه.

ومن هذه الحقيقة تبدأ ثلاث خطوات متتابعة، تقود كل واحدة منها إلى التي بعدها:
الخطوة الأولى: ألا يستولي على قلبك خوفٌ من غير الله.

فإذا كان لله ملك السماوات والأرض، وله ما فيهما وما بينهما، فمن الذي تخافه من دون الله؟ ومن الذي يملك لك نفعًا أو ضرًّا استقلالًا عن إرادته سبحانه؟ وليس معنى ذلك أن تهمل الأسباب أو تترك واجباتك؛ بل تأخذ بالأسباب، وتعمل وتتعلم وتخطط وتطلب الرزق، لكنك تعلم أن السبب لا ينفع ولا يضر بذاته، وإنما بإذن الله.
فتستعمل السبب، ولا تعبده، وتتعامل مع الخلق، ولا تعتقد أنهم يملكون لك شيئًا من دون الله.

فإذا خرج الخوف المذموم من غير الله من قلبك، انتقلت إلى الخطوة الثانية.
الخطوة الثانية: ألا تلتجئ بقلبك إلا إلى الله.
فإذا علمت أن الملك كله لله، وأن الخلق لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًّا إلا بإذنه، أخرجت من قلبك الاعتماد على ما سواه، ولم يبق فيه إلا التوكل عليه والافتقار إليه.

وهذه هي التخلية والتحلية: أن تخلي قلبك من الخوف المذموم، والطمع في الخلق، والتعلق بالمال والسلطان والشهوة، ثم تحليه بالثقة بالله، والرضا عنه، وإخلاص العبادة له.

تأخذ من الناس، وتعطيهم، وتشكرهم، وتتعاون معهم، لكن قلبك يعلم أن الله هو المعطي والمانع، وأن النفع والضر لا يكونان إلا بإذنه وتقديره.

فإذا علم العبد أن الملك لله، ثم أخلى قلبه من التعلق بغيره، أثمرت هاتان الخطوتان الخطوة الثالثة.
الخطوة الثالثة: ألا يملكك ما ملَّكك الله إياه.

يقول الله سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26].

فإذا ثبت في قلبك أن الملك لله، وأن الالتجاء إليه وحده، علمت أن ما في يدك ليس ملكًا ذاتيًّا دائمًا، وإنما هو عطاء من الله وأمانة عندك.
والملك لا يقتصر على السلطان، بل يشمل كل ما منحه الله للإنسان: المال، والمنصب، والعلم، والقوة، والصحة، والجاه، والقدرة.
وكل ذلك منحة ومحنة: منحة تستوجب الشكر، ومحنة بمعنى الاختبار الذي يستوجب حسن الاستعمال.
فلا تعتمد على أن ما في يدك سيدوم، ولا تجعل مالك أو منصبك أو علمك أو قوتك محل مساومة مع أمر الله. لا تعص الله من أجل المحافظة على منصب، ولا تظلم الناس من أجل زيادة مال، ولا تجعل العلم سبيلًا إلى الكبر، ولا تستعمل القوة في قهر الضعفاء.

فإذا علمت أن ما في يدك لله، لم تتكبر به، وإذا علمت أن الله يستطيع أن ينزعه، لم تتعلق به، وإذا علمت أنك مسؤول عنه، استعملته فيما يرضيه.

وهذه هي ثمرة الخطوتين الأوليين: أن يكون الشيء في يدك، ولا يكون في قلبك؛ أن تملكه، ولا يملكك؛ أن تستعمل النعمة في طاعة المنعم، لا أن تجعلها حجابًا بينك وبينه.

فإذا استقر ذلك فيك، حررك الله من الخوف والطمع، وأصبحت قويًّا به سبحانه؛ فلا تتسلط عليك دنيا، ولا شهوة، ولا شيطان، ولا هوى. 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version