ذكرى رحيل الفنان الكبير محمد فوزي، الذي يُعد واحدًا من أبرز رموز الموسيقى والغناء في مصر والعالم العربي، بعدما نجح في ترك إرث فني مميز وبصمة خالدة في تاريخ الفن، رغم رحيله المبكر عام 1966.
واستطاع محمد فوزي أن يحتل مكانة بارزة في عالم السينما الغنائية والاستعراضية خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، مستندًا إلى موهبة استثنائية وأسلوب فني اتسم بالبساطة والبهجة، إلى جانب صوته العذب وألحانه المتجددة التي مزجت بين الأصالة وروح التجديد، وأسهمت في تطور الأغنية المصرية.
ولم يتوقف إبداعه عند الغناء والتلحين، بل امتد إلى التمثيل والإنتاج الموسيقي، ليصبح نموذجًا للفنان الشامل الذي جمع بين مواهب متعددة، وترك أثرًا ممتدًا في وجدان الجمهور العربي.
وُلد محمد فوزي عبد العال الحو في 15 أغسطس عام 1918 بقرية كفر أبو جندي، التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية، ونشأ وسط أسرة كبيرة، إذ كان الابن الحادي والعشرين بين 25 شقيقًا وشقيقة، من بينهم المطربتان هدى سلطان وهند علام.
وتفتحت موهبته الموسيقية في مرحلة مبكرة من حياته، خلال دراسته الابتدائية بمدرسة طنطا، التي حصل منها على الشهادة عام 1931، متأثرًا بأعمال الموسيقار محمد عبد الوهاب وكوكب الشرق أم كلثوم.
وتلقى فوزي أولى خطواته في تعلم الموسيقى والغناء على يد محمد الخربتلي، أحد رجال المطافئ بمدينة طنطا، الذي اصطحبه إلى الموالد والأفراح للغناء، الأمر الذي ساعد على صقل موهبته وتكوين شخصيته الفنية في سن مبكرة.
وبعد انتقاله إلى القاهرة، التحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، لكنه لم يستكمل دراسته، واتجه إلى احتراف الغناء في الملاهي الليلية وصالات الفن، من بينها صالة بديعة مصابني، كما عمل مع فرقة الفنانة فاطمة رشدي.
ورغم إخفاقه في اجتياز اختبارات الإذاعة كمطرب عام 1938، فإن قبوله ملحنًا فتح أمامه طريقًا جديدًا نحو النجاح، ومهّد لانطلاقته الفنية التي سرعان ما امتدت إلى السينما، حيث ظهر للمرة الأولى عام 1944 من خلال دور صغير في فيلم «سيف الجلاد»، قبل أن يحقق انطلاقته السينمائية وبطولته الأولى في فيلم «قبلة في لبنان».
وفي عام 1947، أسس شركة «أفلام محمد فوزي»، ليكون من أوائل الفنانين الذين اتجهوا إلى الإنتاج السينمائي في مصر. وقدم خلال مسيرته أكثر من 37 فيلمًا، شارك في بطولتها ووضع موسيقاها التصويرية، ومن أبرزها «العقل في إجازة»،«حب وجنون»،«غرام راقصة»،«فاطمة وماريكا وراشيل»، و«يا حلاوة الحب»
كما خاض تجربة إنتاج أول فيلم ملوّن في مصر، إلا أن الشريط الأصلي احترق أثناء نقله من فرنسا، لتضيع بذلك فرصة الاحتفاظ بهذا العمل .
وعلى صعيد التلحين، برز محمد فوزي باعتباره واحدًا من أصحاب البصمات الموسيقية المميزة، إذ قدم ألحانًا لعدد من كبار المطربين، من بينهم شادية ومحمد عبد المطلب وليلى مراد، كما ارتبط اسمه بقصة تلحين أغنية «أنساك» لأم كلثوم، إذ بدأ تلحينها قبل أن يستكمل بليغ حمدي العمل عليها، لتصبح من أشهر أغاني كوكب الشرق.
ومن أشهر أغانيه وألحانه «تملي في قلبي»،«شحات الغرام»،«داري العيون»،«يا مصطفى»، و«كلمني طمني»، فضلًا عن أغاني الأطفال التي ظلت حاضرة في الذاكرة عبر الأجيال، وفي مقدمتها «ماما زمانها جاية» و«ذهب الليل».
ويصل إجمالي رصيده الغنائي إلى نحو 400 أغنية، شملت الأعمال العاطفية والاستعراضية والدينية. ولحن لنفسه 239 عملًا، وقدم 36 أغنية لمطربين، و116 أغنية لمطربات، فيما لم يغنِّ سوى ثلاث أغانٍ من ألحان موسيقيين آخرين، وهو ما يعكس مدى اعتماده على موهبته في التلحين وقدرته على تقديم أعمال تحمل بصمته الخاصة
وشارك محمد فوزي في بطولة 36 فيلمًا، أنتج منها 18 فيلمًا، إلى جانب إنتاجه 47 فيلمًا لم يشارك في بطولتها، ليؤكد حضوره في مجال الإنتاج السينمائي إلى جانب إسهاماته في الغناء والتمثيل والتلحين.
ومن أبرز محطاته الفنية والوطنية تلحينه النشيد الوطني الجزائري «قسماً» عام 1956، قبل اعتماده رسميًا عام 1963، ليصبح أول فنان مصري يلحن نشيدًا وطنيًا لدولة أخرى.
كما أسهم في تطوير صناعة الموسيقى من خلال تأسيس مصنع «مصر فون» للأسطوانات، الذي عُدّ الأول من نوعه في الشرق الأوسط، وكان له دور في دعم انتشار الأغنية المصرية والعربية في مختلف أنحاء الوطن العربي.
وعلى المستوى الشخصي، تزوج محمد فوزي ثلاث مرات؛ كانت الأولى من هداية عبد المحسن، وأنجب منها أبناءه نبيل وسمير ومنير، ثم تزوج الفنانة مديحة يسري، وأنجب منها ابنه عمرو الذي توفي في سن صغيرة، قبل أن يتزوج السيدة كريمة، التي أنجب منها ابنته إيمان.
وفي سنواته الأخيرة، تعرض فوزي لمرض نادر لم يكن قد جرى تشخيصه آنذاك، وتسبّب في تدهور حالته الصحية وفقدانه الوزن بصورة متزايدة، حتى بلغ وزنه 36 كيلوجرامًا. وسافر إلى ألمانيا والولايات المتحدة بحثًا عن العلاج، لكن محاولاته لم تحقق النتيجة المرجوة.
وخلال فترة مرضه وإقامته بالمستشفى، كتب رسائل مؤثرة عبّر فيها عن تعلقه بوطنه وحبه لأطفاله، كاشفًا عن جانب إنساني مؤثر من حياته بعيدًا عن الأضواء والشهرة.
ورحل محمد فوزي في 20 أكتوبر عام 1966، عن عمر ناهز 48 عامًا، تاركًا خلفه مسيرة فنية ثرية امتزج فيها الإبداع الموسيقي بالنجاح السينمائي والتميز في مجال الإنتاج.
وبعد مرور سنوات على رحيله، لا تزال أعمال محمد فوزي حاضرة في الوجدان، شاهدة على موهبة فنية متفردة ورؤية موسيقية سبقت عصرها، فيما يبقى اسمه أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل ملامح الأغنية والسينما الغنائية المصرية.










