تحلّ اليوم ذكرى رحيل الفنانة المصرية نعيمة الصغير، إحدى أبرز الوجوه التي تركت بصمة خاصة في تاريخ السينما المصرية، بفضل ملامحها القوية وأدائها المميز وصوتها الأجشّ الذي أصبح علامة مسجلة باسمها. ورغم ارتباط صورتها في أذهان الجمهور بأدوار الشر والحماة المتسلطة والمرأة القاسية، فإن مشوارها الفني بدأ بحلم مختلف، إذ كانت تطمح إلى الغناء، قبل أن تقودها تحولات حياتية وفنية إلى عالم التمثيل، لتصبح واحدة من الفنانات اللاتي يصعب نسيانهن.
وُلدت نعيمة عبد المجيد عبد الجواد في مدينة الإسكندرية يوم 25 ديسمبر عام 1931، واشتهرت باسم نعيمة الصغير نسبةً إلى زوجها، الفنان والمطرب الشعبي محمد الصغير.
بدأت مشوارها الفني مطربةً، وعملت في البداية مونولوجست مع زوجها، ثم عملا معًا في فرقة إبراهيم حمودة، قبل أن تلتحق بفرقة إسماعيل يس. كما بدأت الظهور في السينما خلال الأربعينيات، في خطوة فتحت أمامها بابًا جديدًا في مسيرتها الفنية.
وجاءت إحدى محطاتها المبكرة المهمة عندما لفتت موهبتها انتباه المخرج حسن الإمام، الذي منحها فرصة الظهور السينمائي في فيلم “اليتيمتين” عام 1948، أمام الفنانة فاتن حمامة. وقدمت خلال الفيلم أغنية “طب وأنا مالي”، ولفتت الأنظار بصوتها، بينما كانت لا تزال تحلم بمواصلة مشوارها في عالم الغناء.
تغيّرت حياة نعيمة الصغير الفنية بعد تعرضها لحادث كاد أن ينهي حياتها، وأدى إلى تأثر أحبالها الصوتية وتحول صوتها إلى صوت أجشّ وأكثر خشونة.
ومع ابتعادها عن الغناء، اتجهت إلى التمثيل لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها الفنية. وأصبح صوتها الخشن أحد العناصر التي ميّزت أداءها وساعدتها على تقديم شخصيات ذات طبيعة حادة وقاسية، لتنتقل من حلم الغناء إلى عالم الأدوار المركبة التي صنعت لها مكانة خاصة في السينما المصرية.
وبعد ظهورها في فيلم “اليتيمتين”، مرت نعيمة الصغير بفترات ابتعاد عن السينما، قبل أن تعود خلال ستينيات القرن الماضي وتواصل المشاركة في عدد من الأفلام. ومع اتساع حضورها على الشاشة، بدأت ملامح شخصيتها الفنية تتبلور، وأصبحت من الوجوه التي يعتمد عليها صنّاع السينما في تقديم أدوار الأم القاسية والحماة المتسلطة والمرأة الماكرة، إلى جانب مشاركاتها في الأعمال الكوميدية.
شاركت نعيمة الصغير في عدد من الأفلام البارزة، من بينها “القاهرة 30″، “الزوجة الثانية”، “مولد يا دنيا”، “إسكندرية ليه”، “المشبوه”، “حب في الزنزانة”، “الشقة من حق الزوجة”، “لعدم كفاية الأدلة”، “جري الوحوش”.
كما قدمت شخصية قريبة من واقعها في فيلم “إسكندرية ليه”، مع المخرج يوسف شاهين، الذي كان يعرفها من قبل، خلال فترة الأربعينيات.
وتعاونت نعيمة الصغير مع عدد كبير من نجوم السينما المصرية، من بينهم عادل إمام ومحمود عبد العزيز وأحمد زكي وسعيد صالح. وقدمت أدوارًا متفاوتة المساحة، لكنها استطاعت في كثير من الأحيان أن تترك أثرًا واضحًا لدى الجمهور، حتى عندما لم تكن بطلة العمل.
وكان عادل إمام من أكثر النجوم الذين شاركتهم نعيمة الصغير أعمالًا سينمائية، إذ شاركته في نحو عشرة أعمال، من بينها “غاوي مشاكل”، “ممنوع في ليلة الدخلة”، “رمضان فوق البركان”، “كراكون في الشارع”، “المشبوه”، “حب في الزنزانة”، “خلي بالك من عقلك”.
ولم يعتمد حضورها على البطولة المطلقة أو مساحة الدور، بقدر ما استند إلى قدرتها على بناء الشخصية من خلال نبرة الصوت ونظرات العين وطريقة الحركة والإلقاء. وقد منحتها هذه الأدوات قدرة على تقديم شخصيات مختلفة الملامح، لتثبت أن قوة الأداء لا تُقاس دائمًا بحجم الدور، بل بمدى تأثيره في المشاهد.
ومن الأدوار التي رسخت مكانة نعيمة الصغير شخصية “نازلي” في فيلم “الشقة من حق الزوجة”، إذ قدمت نموذجًا للحماة المتسلطة التي تتدخل في حياة ابنتها وزوجها، في أداء جمع بين القسوة والطابع الكوميدي، وأبرز قدرتها على المزج بين الحدة وخفة الظل.
لكن شخصية “الكتعة” في فيلم “العفاريت”، الذي عُرض عام 1990، ظلت واحدة من أشهر أدوار نعيمة الصغير وأكثرها رسوخًا في ذاكرة الجمهور. فقد جسدت شخصية امرأة شريرة تستغل الأطفال، ونجحت في تقديمها بأداء مخيف اعتمد على نبرة صوتها الحادة ونظرات عينيها وتعبيرات وجهها، مما جعل الشخصية علامة بارزة في مسيرتها الفنية.
رحلت الفنانة نعيمة الصغير في 20 أكتوبر عام 1991، عن عمر ناهز 60 عامًا، تاركةً وراءها رصيدًا من الأعمال السينمائية التي ظلت حاضرة في ذاكرة المشاهدين.










