بعد 53 عاما على نصر السادس من أكتوبر، لا تزال بعض تفاصيل تلك الملحمة العسكرية الكبرى حاضرة في أماكن ارتبطت مباشرة بإدارة المعركة وصناعة القرار، ومن بين هذه الأماكن يبرز قصر الطاهرة، الذي تحول خلال حرب أكتوبر 1973 إلى أحد المواقع المرتبطة بمتابعة وإدارة العمليات العسكرية.
فخلف جدران القصر، وفي أجواء مشحونة بالتوتر والترقب، جرت لقاءات واستعدادات سبقت الحرب، بينما تحولت أجزاء منه إلى غرف لمتابعة سير العمليات، لتصبح جدرانه شاهدة على واحدة من أهم اللحظات في التاريخ العسكري المصري الحديث.
قصر الطاهرة
يقع قصر الطاهرة بشارع سليم الأول بمنطقة الزيتون في القاهرة، ويرجع تاريخ إنشائه إلى القرن التاسع عشر، وقد ارتبط اسمه بالملكة فريدة، زوجة الملك فاروق، التي عرفت بلقب “الطاهرة”.
وشيد القصر على الطراز الإيطالي، وارتبط تصميمه بالمعماري الإيطالي أنطونيو لاشياك، أحد أبرز المعماريين الأجانب الذين تركوا بصمة واضحة في العمارة المصرية الحديثة، ولا سيما في منطقة وسط القاهرة.
وتتجلى براعة لاشياك في تفاصيل القصر، بداية من السلالم الرخامية والأسقف المزخرفة، وصولًا إلى توزيع الغرف والعناصر المعمارية بما يتناسب مع طبيعة المبنى ومساحته.
ويحيط بالقصر حديقة واسعة تضفي على المكان طابعا خاصا، فيما جاء تصميمه الداخلي وأثاثه ليجمع بين الفخامة والبساطة، من خلال تنسيق التحف وقطع الأثاث والزخارف بصورة تعكس الطابع الملكي للقصر.
من قصر ملكي إلى موقع لمتابعة الحرب
لكن قيمة قصر الطاهرة التاريخية لا ترتبط بفخامته المعمارية وحدها؛ فقد ارتبط اسمه أيضا بمرحلة شديدة الحساسية من تاريخ مصر، عندما أصبح أحد المواقع التي شهدت تحركات واتصالات مرتبطة بالاستعداد لحرب أكتوبر.
ومع اقتراب ساعة الصفر، تحولت أجزاء من القصر إلى مواقع لمتابعة تطورات الموقف العسكري، فيما كانت الخرائط الخاصة بسيناء ومسرح العمليات حاضرة في غرف المتابعة، لتصبح تفاصيل المكان مرتبطة مباشرة بمشهد الاستعداد للمعركة.
ومن داخل هذا الموقع، تابع الرئيس الراحل أنور السادات تطورات الحرب، إلى جانب كبار قادة القوات المسلحة، في لحظات كانت فيها القرارات العسكرية والسياسية تتخذ تحت ضغط معركة مصيرية هدفها استعادة الأرض المحتلة وفرض واقع استراتيجي جديد.
جدران القصر شاهدة على لحظات العبور
لم يكن قصر الطاهرة مجرد مبنى استخدم خلال الحرب، بل أصبح جزءا من المشهد الذي أحاط بإدارة واحدة من أكثر المعارك تأثيرا في التاريخ المصري الحديث.
ففي الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة تخوض معركة العبور على الضفة الشرقية لقناة السويس، كانت غرف المتابعة تنقل تطورات العمليات، والخرائط ترسم حركة القوات، والقرارات تتوالى وفقا لتطورات الميدان.
وهكذا، بقي قصر الطاهرة شاهدا على مرحلة انتقلت فيها مصر من سنوات الاستعداد وإعادة بناء القوات المسلحة إلى لحظة المواجهة الكبرى، التي بدأت بعبور قناة السويس في السادس من أكتوبر 1973، وانتهت باستعادة الإرادة المصرية وفتح الطريق أمام استرداد الأرض.










