أعاد متحف الفن الحديث في ساو باولو MAM فتح أبوابه أمام الجمهور بعد إغلاق استمر عامين لإجراء أعمال تجديد، مستأنفا نشاطه في الجناح الذي صممه المعماري البرازيلي أوسكار نيماير داخل متنزه إبيرابويرا، من خلال الدورة الـ39 من معرض “بانوراما الفن البرازيلي”، التي تقدم مجموعة من الأعمال المعاصرة وتبحث في حدود التمثيل الفني والقضايا المرتبطة بالاستعمار والعرق والهوية.
وذكرت صحيفة الفن The Art Newspaper، في تقرير لها، أن المتحف أعيد افتتاحه في 12 سبتمبر الماضي، واختار أن تكون أولى فعالياته بعد التجديد الدورة الجديدة من “بانوراما الفن البرازيلي”، وليس معرضا لمجموعته الدائمة، في إشارة إلى تاريخ هذا المعرض الذي أقيمت نسخته الأولى عام 1969 داخل الجناح نفسه في متنزه إبيرابويرا.
وقال كاوي ألفيس، كبير أمناء المتحف، إن اختيار “بانوراما” لافتتاح المتحف من جديد يحمل دلالة رمزية، إذ تعود المؤسسة إلى المكان الذي استضاف النسخة الأولى من المعرض قبل أكثر من 5 عقود. وتحولت سلسلة “بانوراما” على مدار تاريخها إلى وسيلة لرصد القضايا الأكثر إلحاحا في الإنتاج الفني البرازيلي المعاصر، حيث أقيمت سنويا منذ عام 1969 وحتى 1991، قبل أن تتحول إلى معرض يقام كل عامين ابتداء من 1993.
ويحمل المعرض الحالي عنوان “بعد أن قيل كل شيء” Depois Que Tudo Foi Dito، ويستمر حتى 24 يناير 2027، وتتولى تنسيقه القيّمة الفنية ديان ليما، التي تولت أيضا تنسيق الجناح البرازيلي في بينالي فينيسيا لهذا العام. ويضم المعرض أعمال 33 فنانا، جميعهم يشاركون في “بانوراما” للمرة الأولى، في محاولة لإعادة التفكير في الطريقة التي تمثل بها الممارسات الفنية المختلفة المجتمع البرازيلي وتاريخه.
واستلهمت ليما عنوان الدورة من عمل للفيلسوفة والفنانة البرازيلية دينيز فيريرا دا سيلفا، التي ترتبط أعمالها بمناقشة قضايا الاستعمار والعنصرية ومنظور نسوي أسود. وقالت ليما إن العنوان أتاح لها التفكير في أزمة التمثيل، والسؤال المتعلق بكيفية تجاوز بعض الممارسات الفنية للحدود التقليدية التي تحكم الطريقة التي يتم بها تمثيل الأشخاص والهويات والتجارب.
ويركز المعرض على فكرة استخدام الخيال الفني بصورة جذرية لتوسيع حدود التمثيل، بدلا من الاكتفاء بإعادة إنتاج الصور والأطر المعروفة. وترتبط هذه الفكرة، بحسب ليما، بنقاشات امتدت خلال العقود الماضية حول المحو والتهميش وعدم الظهور والتقليل من القيمة، إلى جانب ما وصفته بإبادة المعرفة، في سياق التعامل مع آثار العنف الاستعماري والعنصري.
وتشير ليما إلى أن تاريخ “بانوراما الفن البرازيلي” نفسه ارتبط منذ بدايته بأسئلة حول أصالة الفن البرازيلي، خاصة في ظل مقارنته بصورة متكررة بالفن الأوروبي والأمريكي. إلا أن المشاركين في الدورة الحالية، بحسب القيّمة، لا يسعون إلى تقديم صورة نمطية لما يفترض أن يكون عليه الفنانون السود أو السكان الأصليون أو أصحاب الممارسات الفنية المختلفة، وإنما يجربون في الشكل والخامات وطرق التمثيل.
وتقدم الدورة الجديدة، وفقا لـ”ذا آرت نيوزبيبر”، أعمالا تتعامل مع العمل الفني باعتباره مساحة للمواجهة، يمكن أن تدفع المتلقي إلى إعادة النظر في الطريقة التي يفهم بها العالم من حوله. وترى ليما أن العمل الفني يستطيع في لحظة معينة أن يواجه المتلقي بما يعرفه مسبقا، ثم يدفعه إلى تفكيك بعض التصورات التي تشكلت لديه في ظل أطر عرقية واستعمارية.
ويأتي هذا المعرض بعد عامين لم يتوقف خلالهما نشاط المتحف رغم إغلاق مبناه الرئيسي، إذ أوضح ألفيس أن المؤسسة أقامت أكثر من 12 معرضا في مواقع أخرى خلال فترة التجديد، كما عرضت مجموعة من مقتنياتها بصورة أوسع من المعتاد من خلال شراكات مع مؤسسات ومتاحف أخرى.
وقال ألفيس إن تجربة الإغلاق دفعت المتحف إلى إعادة التفكير في إمكانية عرض مجموعته خارج مقره، وإقامة حوارات بين مقتنياته ومجموعات المؤسسات الشريكة. وبذلك لم يكن العامان الماضيان فترة توقف، وإنما مرحلة لإعادة النظر في علاقة المتحف بجمهوره وبالمؤسسات الفنية الأخرى.
ويعود متحف الفن الحديث في ساو باولو إلى عام 1948، عندما تأسس في وسط المدينة قبل انتقال نشاطه لاحقا إلى متنزه إبيرابويرا. وبين عامي 1953 و1961، استخدم المتحف مبنى بينالي ساو باولو داخل المتنزه، وخلال تلك الفترة شارك في إنتاج الدورات الست الأولى من بينالي ساو باولو، قبل أن يستقر لاحقا في الجناح الذي صممه نيماير.
ويقدم اختيار “بانوراما الفن البرازيلي” كأول معرض بعد إعادة الافتتاح رابطا مباشرا بين تاريخ المؤسسة وحاضرها؛ فالمعرض الذي بدأ قبل أكثر من نصف قرن بهدف متابعة تحولات الفن في البلاد يعود إلى الموقع نفسه، لكنه يطرح هذه المرة أسئلة جديدة حول حدود التمثيل وكيف يمكن للفن أن يتجاوز الأطر التي شكلت قراءة المجتمع البرازيلي خلال العقود الماضية.
تأسس متحف الفن الحديث في ساو باولو عام 1948، ويعد من المؤسسات الرئيسية للفن الحديث والمعاصر في البرازيل. أما سلسلة “بانوراما الفن البرازيلي” فانطلقت عام 1969، وأقيمت سنويا حتى 1991، ثم أصبحت تقام كل عامين منذ 1993. وتستمر الدورة الـ39 الحالية، “بعد أن قيل كل شيء”، حتى 24 يناير 2027، وتضم 33 فنانا لم يشارك أي منهم في دورات سابقة من المعرض.










