أرشدنا سيدنا رسول الله إلى الذكر من خلال برنامجٍ يوميٍّ حرص عليه، ودعا الصحابة إليه لأهميته؛ حتى يكون المسلم على صلةٍ دائمةٍ بربه، حاضرَ القلب معه في جميع أحواله، متنقلًا في يومه بين الطاعة والذكر والافتقار.
ويبدأ برنامج سيدنا النبي اليومي في الذكر مع استيقاظه؛ فكان إذا استيقظ قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ» ثم إذا أصبح قال: «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ».
دعاء دخول الخلاء
وكان النبي إذا دخل الخلاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» والخُبُث -بضم الخاء- جمع الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة؛ فيستعيذ بالله من شياطين الجن، ذُكرانهم وإناثهم، عند دخول هذا الموضع، وكان سيدنا النبي إذا خرج من الخلاء قال: «غُفْرَانَكَ»، وهي كلمة بليغة، خفيفة على اللسان، عظيمة في الميزان، لها أثر كبير في دوام الصلة بالله تعالى، وينبغي للمسلم أن يداوم عليها؛ فإن كثيرًا من الناس -على الرغم من خفة هذا العمل- لا يداومون عليه، ولا يذكرون الله في كل وقتٍ وحين.
كما كان النبي إذا خرج من بيته قال: «بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، وكان النبي إذا سافر في طريقٍ فيه مرتفع، فصعده، كبَّر وقال: «الله أكبر»، وإذا نزل منخفضًا سبَّح وقال: «سبحان الله». وقد أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا».
دعاء دخول المسجد
وكان النبي إذا دخل المسجد قال: «اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» ثم يشتغل بالصلاة التي تبدأ بالذكر: «الله أكبر»، ولا يحدث فيها إلا ما يناسب مقامها من الذكر والقراءة؛ فقد قال: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» ثم يُنهيها بالتسليم، ويعود بعد الصلاة إلى ذكر الله؛ فكان يسبِّح الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويكبِّره ثلاثًا وثلاثين، ثم يتم المائة بقوله: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».
وكان النبي يُكثر من سيد الاستغفار، فيقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» وكان سيدنا رسول الله إذا أتى المساء قال: «أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ».
وهكذا كان النبي في كل حركةٍ من حركاته، وكل انتقالٍ من انتقالاته، على ذكرٍ لله تعالى، وتعليمٍ لأمته أن الذكر ليس عملًا عارضًا، بل هو منهج حياة، وسرُّ الصلة بالله، وعنوان العبودية.
ومن أعظم ما يربط القلب بسيدنا رسول الله ويعينه على الاقتداء به كثرة الصلاة والسلام عليه. ولهذا قال العلماء: إذا فَقَدَ المسلمُ المربي المرشد، فإن مرشدَه الأعظم هو سيدنا رسول الله، فيُكثر من الصلاة عليه.
وقد جرى أهل الله على أن يجعلوا لأنفسهم وِردًا كثيرًا من الصلاة عليه، ورأوا في ذلك فتحًا عظيمًا، حتى قال بعضهم: لا يقل ذلك عن ألف مرة في اليوم والليلة، وعن أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اذْكُرُوا اللَّهَ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ».
قال أُبَيٌّ: قلت: يا رسول الله، إني أُكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: «مَا شِئْتَ». قلت: الربع؟ قال: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قلت: النصف؟ قال: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قلت: الثلثين؟ قال: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».










