في تطور علمي مثير للجدل، كشف باحثون عن وصول صدع جيولوجي ضخم في شرق أفريقيا إلى مرحلة حرجة تُعرف بـ”نقطة اللاعودة”، ما يعني أن انفصال القارة بات مسارًا لا يمكن إيقافه، بل سيتواصل تدريجيًا عبر ملايين السنين.
وركّزت الدراسة، المنشورة حديثًا في مجلة Nature Communications، على صدع توركانا الممتد بين كينيا وإثيوبيا، والذي يُعد جزءًا من النظام التكتوني المعروف بالصدع الأفريقي الشرقي، أحد أكبر الأنظمة الجيولوجية على سطح الأرض.
ويصل طول هذا النظام إلى أكثر من 3000 كيلومتر، ويمثل نموذجًا حيًا لحركة الصفائح التكتونية التي تعيد تشكيل القارات ببطء شديد عبر الزمن.
ما مصير صدع أفريقيا الضخم؟
الجديد في هذه الدراسة أن القشرة الأرضية داخل هذا الصدع أصبحت شديدة الرقة مقارنة بالمناطق المحيطة، حيث انخفض سمكها بشكل كبير، ما يشير إلى دخولها مرحلة متقدمة تُعرف علميًا بـ”التضيّق”.
وتُعد هذه المرحلة خطوة حاسمة تسبق الانفصال الكامل، حيث تصبح القشرة ضعيفة وقابلة للانهيار، تمهيدًا لتكوّن قاع محيط جديد.
وتوضح الأبحاث أن تفكك القارات يمر بثلاث مراحل رئيسية: تبدأ بمرحلة التمدد التي تتشكل فيها تشققات أولية، ثم مرحلة التضيّق التي يتركز فيها الضغط في نطاق ضيق، وأخيرًا مرحلة تكوّن المحيط، حين تتدفق الصهارة من باطن الأرض وتبدأ المياه في ملء الفراغات، معلنة ميلاد محيط جديد.
ما يميز صدع توركانا أنه يتيح للعلماء فرصة نادرة لدراسة هذه المرحلة المتقدمة أثناء حدوثها، وهو أمر لم يكن ممكنًا سابقًا، إذ كانت معظم الدراسات تعتمد على آثار قديمة لصدوع اكتمل انفصالها منذ ملايين السنين.
كيف تكوّن صدع أفريقيا؟
يرجع هذا التطور السريع لصدع توركانا إلى تاريخ جيولوجي معقد، حيث تعرضت المنطقة لمرحلتين من التمدد في اتجاهات مختلفة خلال فترات زمنية متقاربة نسبيًا.
هذا التداخل لم يمنح القشرة الأرضية الوقت الكافي لاستعادة صلابتها، ما جعلها أكثر هشاشة وقابلية للتشقق، خاصة مع النشاط البركاني الذي ساهم في إضعافها بشكل إضافي.
كما تشير البيانات إلى أن هذه التحولات بدأت قبل نحو 4 ملايين سنة، مع تسارع تدريجي في معدلات التمدد، وهو ما يعكس قوة هائلة قادرة، على المدى البعيد، على تقسيم القارة.
ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على الجيولوجيا فقط، بل تمتد إلى فهم تاريخ الإنسان، إذ تُعد منطقة توركانا واحدة من أغنى المواقع الأحفورية في العالم، حيث ساهمت الظروف الجيولوجية في حفظ عدد كبير من بقايا أسلاف البشر عبر العصور.
وبحسب الخبراء فإن الانفصال الكامل لأفريقيا لا يزال بعيدًا، فإن ما يحدث اليوم يمثل بداية تحولات كبرى في شكل كوكب الأرض، تتكشف ببطء لكنها تحمل تأثيرات عميقة على المدى الطويل.










