سجلت خريطة الجاهزية الاقتصادية لأفريقيا جنوب الصحراء تفاوتات كبيرة في قدرة المنطقة على الصمود أمام الصدمات الخارجية، خاصة تلك الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط، مما يعكس اختلافات واسعة في مستويات التعرض والمخاطر الاقتصادية الكلية والمساحة المتاحة للسياسات.
وأظهرت الخريطة وفقا إلى تقرير البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد الصادر بعنوان “التطورات الأخيرة في البيئة الاقتصادية الكلية الأفريقية لشهر يوليو 2026” أن بعض الاقتصادات عززت أساسياتها من خلال تحسين الإدارة المالية وتراكم الاحتياطيات والإصلاحات الهيكلية، بينما تبقى دول كثيرة شديدة الحساسية للتطورات السلبية في أسواق السلع العالمية وتشديد الظروف المالية الدولية والاضطرابات الجيوسياسية.
وأوضح التقرير أن الاعتماد المستمر على الطاقة المستوردة مثل أحد أبرز مصادر الضعف، حيث تظهر أكثر من 60% من الدول تعرضاً متوسطاً إلى مرتفع لصافي واردات النفط والغاز، مما يجعلها حساسة بشكل خاص لارتفاع أسعار الطاقة العالمية.
ويؤدي ارتفاع تكاليف واردات الوقود إلى توسيع عجز الحساب الجاري وزيادة الضغوط التضخمية وضعف أسعار الصرف وارتفاع الأعباء المالية عبر دعم الطاقة وفواتير الواردات، خاصة في الدول منخفضة الدخل والمستوردين للطاقة ذات القدرة المحدودة على امتصاص الصدمات.
كما تواجه نحو نصف الدول قيوداً كبيرة على التمويل الخارجي، مع تجاوز احتياجات التمويل الخارجي الإجمالية 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي الوقت نفسه، تحتفظ كثير من الاقتصادات باحتياطيات أجنبية منخفضة تغطي أقل من ثلاثة أشهر من الواردات، مما يقلل قدرتها على تخفيف الصدمات واستقرار أسعار الصرف وتمويل الواردات الأساسية والوفاء بالتزامات الديون الخارجية.
وفي ظل أسعار فائدة عالمية مرتفعة وسيولة دولية أضيق، تزيد هذه الثغرات من مخاطر إعادة التمويل والتعرض لتدفقات رؤوس الأموال المفاجئة للخارج.
ويلفت التقرير إلى أنه رغم اعتدال التضخم في عدة اقتصادات بفضل السياسات النقدية المتشددة وتراجع اضطرابات سلاسل الإمداد، لا تزال بعض الدول تعاني من تضخم مرتفع أو مزدوج الرقم بسبب تراجع أسعار الصرف وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والقيود على جانب العرض والضعف الهيكلي المحلي.
ويؤدي التضخم المستمر إلى تآكل القوة الشرائية للأسر ورفع تكلفة ممارسة الأعمال وزيادة مخاطر الفقر وتقييد قدرة البنوك المركزية على تخفيف السياسة النقدية.
أما مستويات الدين العام، فتبقى مرتفعة في عدة دول، مع أعباء ديون تقترب أو تتجاوز المستويات التي تقيد المرونة المالية بشكل كبير، ومع استمرار العجز المالي وارتفاع تكاليف خدمة الدين وضعف تعبئة الإيرادات المحلية، تقل قدرة الحكومات على تنفيذ تدابير مالية معاكسة للدورة الاقتصادية أو تقديم دعم موجه خلال فترات الضغط، وتظل الدول ذات الأوضاع المالية الأضعف أكثر عرضة للصدمات الخارجية المطولة.
ورغم هذه التحديات، تظهر الخريطة أن نقاط الضعف ليست موحدة؛ فبعض الاقتصادات تتمتع بأساسيات أقوى تشمل تضخماً أدنى واحتياطيات أجنبية أكثر كفاية وأعباء دين عامة قابلة للإدارة وأرصدة مالية أقوى نسبياً، مما يجعلها في وضع أفضل لامتصاص الصدمات والحفاظ على الاستقرار وثقة المستثمرين.
وتؤكد التحليلات أهمية تعزيز المرونة الاقتصادية الكلية عبر بناء احتياطيات أجنبية أكبر وتحسين تعبئة الإيرادات المحلية وتعزيز استدامة الدين وتنويع مصادر الطاقة وتعميق أسواق رأس المال المحلية وتسريع الإصلاحات الهيكلية، خاصة في بيئة عالمية تتسم باستمرار التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار السلع وتشديد الظروف المالية.









