قالت دار الإفتاء المصرية، إنه يرى بعض الفقهاء أن طول القراءة في قيام الليل أفضل من كثرة عدد الركعات، ويرى بعضهم أنّ تكثير عدد الركعات أفضل، والذي ننصح به هو أن يداومَ الإنسانُ على ما يَجِد فيه راحةَ قلبِهِ ونشاطه وطمأنينته وكمال خشوعه؛ سواءٌ في طول القيام وكثرة القراءة، أو في زيادة عدد الركعات وتكثيرها.
وأوضحت ” الإفتاء ” المفاضلة بين طول القراءة في قيام الليل وبين كثرة عدد الركعات، في إجابتها عن سؤال: هل الأفضل والأكثر ثوابًا في قيام الليل هو إطالة القيام للقراءة، أو كثرة عدد الركعات؟، أن هذه المسألة من المسائل الخلافية التي تتجاذبها الأدلة، والذي ننصح به هو المداومة على ما يَجِد فيه الإنسان قَلْبَه ونشاطه؛ سواءٌ في طول القيام وكثرة القراءة، أو في زيادة عدد الركعات.
طول القراءة في قيام الليل وكثرة عدد الركعات
وأضافت أنه ورد في الأحاديث فضل طول القيام للقراءة، وكذا فضل كثرة السجود وزيادة عدد الركعات، وَقَع الخلافُ بين الفقهاء في أيهما أفضل وأكثر ثوابًا؟، وسبب خلافهم: هو تعارض الأدلة كما نصَّ على ذلك العلامة ابن نجيم المصري في “البحر الرائق شرح كنز الدقائق” (2/ 59، ط. دار الكتاب الإسلامي) حيث قال: [ولتعارض الأدلة تَوقَّف الإمام أحمد في هذه المسألة ولم يحكم فيها بشيء] اهـ.
وأفادت بأنه ذهب الشافعية، والمالكية في أظهر القولين: إلى أنَّ تطويل القيام أفضل من تكثير الركعات، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وإحدى الروايتين عن محمدٍ، وقال بهذا القول أبو يوسف في حالة إذا كان للشخص وِرْدٌ من القرآن، وهو قولٌ عند الحنابلة أيضًا.
واستندت لما قال الإمام الزيلعي في “تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق” (1/ 173، ط. المطبعة الكبرى الأميرية): [(وطول القيام أحبّ من كثرة السجود)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ» أي القيام؛ ولأن القراءة تكثر بطول القيام، وبكثرة الركوع والسجود يكثر التسبيح والقراءة أفضل منه؛ ولأنَّ القراءة ركن، فكان اجتماع أجزائه أولى وأفضل من اجتماع ركن وسنة] اهـ.
واستشهدت بما قال العلامة ابن نجيم الحنفي في “النهر الفائق” (1/ 298، ط. دار الكتب العلمية) عند كلامه على هذه المسألة: [وقال أبو يوسف: إن كان له وِرْدٌ بالليل فكثرة السجود، وإلَّا فطول القيام] اهـ.
ودللت بما قال الإمام المواق في “التاج والإكليل” (2/ 394-395، ط. دار الكتب العلمية): [(وهل الأفضل كثرة السجود، أو طول القيام قولان).. وقيل: طول القيام أفضل؛ لما في الحديث: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ»، وهذا القول أظهر] اهـ.
ونوهت بما قال الإمام النووي في “المجموع” (4/ 45، ط. دار الفكر): [تطويل القيام عندنا أفضل من تطويل السجود والركوع وغيرهما، وأفضل من تكثير الركعات] اهـ. وقال العلامة الرحيباني في “مطالب أولي النهى” (1/ 574، ط. المكتب الإسلامي): [(وكثرتهما)، أي: الركوع والسجود (أفضل من طول قيام)، وقيل: عكسه] اهـ.
وأشارت إلى أنهم استدلوا على ذلك بحديث جابر رضي الله عنه السابق، كما أنَّ طول القيام يَحْصُل به كثرة القراءة للقرآن، وهي -أي: كثرة القراءة- أفضل من التسبيح الذي يَحْصُل بالركوع والسجود، وبأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقوم الليل إلا قليلًا؛ استجابة لأمر الله عزَّ وجلَّ في قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2].
وتابعت: كما استدلوا بأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة؛ كما ورد في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عندما سُئلت: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان؟ فقالت: “ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة.. ” رواه البخاري في “الصحيح”.
وبينت أنه يرى الحنابلة أَنَّ الأفضل كثرةُ الركوع والسجود، وهو إحدى الروايتين عن محمدٍ، وقول أبي يوسف في حالة إذا لم يكن للشخص وِرْدٌ من القرآن، وأحد القولين عند المالكية، واستظهره الشيخ الدردير. وقال الإمام الحصكفي في “الدر المختار” (2/ 17، ط. دار الفكر): [(وكثرة الركوع والسجود أحب من طول القيام)، كما في “المجتبى”، ورجَّحهُ في “البحر”] اهـ.
واستطردت: وقال الإمام الشيخ الدردير في “الشرح الكبير” (1/ 319، ط. دار الفكر): [(وهل الأفضل) في النفل (كثرة السجود)، أي: الركعات؛ لخبر: «عليكَ بِكَثرَةِ السّجُودِ فَإنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ لله سَجْدَةً إلَّا رَفَعَكَ الله بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ بِهَا عَنكَ خَطِيئَةً» (أو طول القيام) بالقراءة؛ لخبر: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ»، أي: القيام، أي: مع قلة الركعات (قولان): محلهما مع اتحاد زمانَيْهِما، ولعَلَّ الأظهر الأول -كثرة السجود-؛ لما فيه من كثرة الفرائض وما تشتمل عليه من تسبيح وتحميد وتهليل وصلاة عليه الصلاة والسلام] اهـ.
وأردفت : وقال الإمام البهوتي في “دقائق أولي النهى” (1/ 249، ط. عالم الكتب): [(وكثرتهما) أي: الركوع والسجود (أفضل من طول قيام) في غير ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تطويله، كصلاة كسوف؛ لحديث: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ”، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاستكثار من السجود في غير حديثٍ، ولأنَّه في نفسه أفضل وآكد؛ لأنه يجب في الفرض والنفل، ولا يباح بحالٍ إلا لله تعالى بخلاف القيام] اهـ.
ولفتت إلى أنهم استدلوا على ذلك بحديث ثوبان رضي الله عنه السابق، وبأنّ القيام إنما شُرِع وسيلة إلى الركوع والسجود- ولذا سقط عمن عجز عنهما- ولا تكون الوسيلة أفضل من المقصود، ولأنه وإن لزم فيه كثرة القراءة لكنها ركن زائد، بل مُختَلفٌ في أصل ركنيته. ينظر: “رد المحتار” لابن عابدين (2/ 17، ط. دار الفكر).










