ألقى الدكتور أبو اليزيد سلامة، مدير عام شؤون القرآن الكريم بالأزهر الشريف، خطبة الجمعة اليوم من الجامع الأزهر، ودار موضوعها حول: “دروس من الهجرة النبوية”.
وأكد سلامة، في خطبة الجمعة، أن الهجرة لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، وإنما كانت حدثا هاما في تاريخ الأمة الإسلامية، حمل بين طياته دروسا خالدة في الإيمان والتخطيط والتضحية وبناء الإنسان.
وأوضح أن من أبرز دروسها هي العناية بتربية الشباب وإعدادهم لتحمل المسؤولية، لذلك كان الشباب عماد المشروع النبوي وحملة رسالته الأوائل، حيث رباهم النبي على الصدق والأمانة والإخلاص والثبات. ويتجلى ذلك في مواقف أسرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه خلال الهجرة، وفي مقدمتها أسماء وعائشة رضي الله عنهما، اللتان قدمتا نموذجا فريدا في خدمة الدعوة وتحمل المسؤولية في سن مبكرة.
كما أكد مدير شؤون القرآن بالأزهر، أن الهجرة النبوية تعد مدرسة متكاملة في بناء الأخلاق وترسيخ القيم الإنسانية الرفيعة، وعلى رأسها خلق الصدق الذي كان أساس نجاح رحلة الهجرة المباركة؛ فالصدق مع الله في النية والعمل يفتح أبواب التوفيق والسداد، كما أنه يمثل الركيزة الأولى لبناء الثقة بين أفراد المجتمع وتعزيز استقراره وتماسكه.
واستكمل: ولو نظرنا في موقف السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، خلال رحلة الهجرة، نجد أنه يمثل نموذجا فريدا يجمع بين الذكاء والحكمة والصبر والبر بالأهل، فعندما خرج النبي وأبو بكر مهاجرين إلى المدينة وأخذ أبو بكر ماله كله معه، خشيت أسماء على جدها أبي قحافة من القلق والحزن، فطمأنته بحسن تصرفها وحكمتها، لتضرب بذلك مثالًا رائعا في إدارة المواقف الصعبة واحتواء الأزمات.
كما جسدت أسمى معاني البر والرحمة، وحافظت على سرية رحلة الهجرة، فاستحقت بجدارة لقب “ذات النطاقين”، لتبقى سيرتها شاهدًا على الدور الكبير الذي قامت به المرأة المسلمة في نصرة الدعوة الإسلامية منذ بداياتها الأولى.
الدور المحوري للشباب في صناعة التحولات الكبرى
وأشار خطيب الجامع الأزهر إلى أن الهجرة النبوية أبرزت كذلك الدور المحوري للشباب في صناعة التحولات الكبرى، وهو ما نتعلمه من موقف سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين نام في فراش النبي ﷺ ليلة الهجرة معرضا نفسه للخطر حمايةً لرسول الله، وهذا الموقف الخالد يجسد معاني الشجاعة والإيثار وتحمل المسؤولية والثقة بالله، ويقدم للشباب نموذجا عمليا في الثبات على المبادئ وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية.
وقال أبو اليزيد سلامة، إن الأمم لا تنهض إلا بشباب يملكون وضوح الهدف وقوة الإرادة والاستعداد للتضحية من أجل القيم العليا وأوضح مدير شؤون القرآن بالأزهر، أن اختيار النبي ﷺ لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ليكون رفيق الهجرة لم يكن أمرا عارضا، بل جاء تتويجا لسنوات طويلة من الصداقة الصادقة والوفاء المطلق والإيمان الراسخ، فقد جمع الصديق بين الحكمة وحسن التدبير ورباطة الجأش، وكان أكثر الناس فهما لمنهج النبي ﷺ وإخلاصا لدعوته، الأمر الذي أهله ليكون خير معين لرسول الله في تلك الرحلة التاريخية.
كما أن مواقف أبي بكر الصديق خلال الهجرة جسدت أسمى معاني المحبة والتفاني؛ فقد جهز الراحلتين، وتحمل أعباء الرحلة، وكان يتحرك حول النبي ﷺ خشية أن يصيبه مكروه، حتى صار مثالا للرفيق الوفي الذي يفدي صاحبه بنفسه وماله، كما ظهر ثباته العظيم في غار ثور عندما طمأنه النبي ﷺ بقوله: :ما ظنك باثنين الله ثالثهما”، فكان نموذجا للمؤمن الذي يستمد قوته من يقينه بالله تعالى.
وبين خطيب الجامع الأزهر أن الدروس التي تعلمها أبو بكر من مدرسة الهجرة ظهرت جلية بعد وفاة النبي ﷺ، عندما واجه المسلمون تلك اللحظة العصيبة التي زلزلت القلوب، فوقف الصديق ثابتا راسخا وألقى كلمته الخالدة: “من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”، فجمع الأمة ووحد صفوفها وثبّت قلوب الصحابة، لأن القيادة الحقيقية تتجلى في أوقات الأزمات، وأن الثبات ثمرة من ثمار الإيمان العميق وحسن التربية.
وأشار إلى أن الهجرة النبوية قدمت نموذجا عمليا للجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله تعالى؛ فقد خطط النبي ﷺ لكل تفاصيل الرحلة بدقة وإحكام، واختار الرفيق المناسب، وحدد المسار الآمن، واستعان بأصحاب الخبرة، مع يقين كامل بمعية الله ونصره، وهو ما يؤكد أن الإسلام يدعو إلى التخطيط والإعداد وبذل الجهد مع الاعتماد على الله سبحانه وتعالى.
وفي ختام الخطبة، وجه الدكتور أبو اليزيد سلامة رسالة إلى شباب الأمة، أكد فيها أن السيرة النبوية ليست صفحات من التاريخ تقرأ فحسب، بل هي منهج حياة متجدد يصلح لكل زمان ومكان، ويمنح الشباب مفاتيح النجاح والتميز، لذلك على شبابنا استلهام قيم الهجرة في الصبر والعمل والإتقان والثقة بالله، وأن يكون النبي ﷺ قدوتهم في مواجهة التحديات وصناعة المستقبل، لأن الأمم تبنى بالإرادة والعلم والخلق، وأن الاقتداء بهدي النبوة هو الطريق الأقوم لتحقيق النجاح في الدنيا والفوز في الآخرة.










