إن فكرة الموت بـ داء الكلب رغم تلقي التطعيم تبدو مرعبة. وقد أثارت هذه الفكرة قلقاً واسعاً بعد التقارير الأخيرة عن أشخاص أكملوا جرعات التطعيم ضد داء الكلب، لكنهم أصيبوا بالمرض. والسؤال البديهي هو: هل يمكن أن يحدث داء الكلب حتى بعد التطعيم؟
باختصار، نعم، ولكن هذا نادر الحدوث للغاية. في الغالبية العظمى من الحالات، تكون لقاحات داء الكلب الحديثة فعّالة للغاية عند إعطائها بشكل صحيح وبالتزامن مع الخطوات العلاجية الأساسية الأخرى. قد تحدث حالات فشل، ولكنها عادةً ما تكون مرتبطة بتأخير تلقي العلاج، أو سوء العناية بالجروح، أو عدم اكتمال أو عدم صحة إعطاء الغلوبولين المناعي المضاد لداء الكلب، أو تفويت الجرعات، وليس بسبب اللقاح نفسه.
لماذا يختلف داء الكلب عن معظم الأمراض المعدية؟
داء الكلب مرضٌ فيروسي يُهاجم الجهاز العصبي، وينتقل عادةً عن طريق خدش أو عضة حيوان ثديي مصاب. على عكس العديد من الأمراض الفيروسية الأخرى، فإن داء الكلب قاتلٌ في أغلب الأحيان بمجرد ظهور الأعراض. مع ذلك، ثمة سمةٌ فريدةٌ لهذا المرض: فالفيروس قد يستغرق أسابيع أو حتى شهورًا للوصول إلى الدماغ عبر الأعصاب. هذا التأخير يُتيح فرصةً حاسمةً يُمكن خلالها للعلاج أن يوقف انتشار المرض تمامًا قبل أن يُصبح مُهددًا للحياة. لهذا السبب، يعتبر الأطباء داء الكلب من الأمراض المعدية القليلة التي يُمكن الوقاية منها حتى بعد التعرض للفيروس، شريطة بدء العلاج فورًا.
وهناك جانب آخر مهم. يعتقد الكثيرون أن اللقاح وحده كافٍ. في الواقع، يتألف العلاج الوقائي بعد التعرض للفيروس، والمعروف أيضًا بالعلاج الوقائي بعد التعرض (PEP)، من ثلاثة أجزاء متساوية الأهمية. أولها غسل الجرح فورًا بالماء الجاري والصابون لمدة لا تقل عن 15 دقيقة. هذه الخطوة البسيطة كفيلة بتقليل كمية الفيروس الموجودة في الجرح بشكل ملحوظ. ثانيها إعطاء الغلوبولين المناعي المضاد لداء الكلب (RIG) للأشخاص الذين لم يتلقوا التطعيم من قبل. يوفر هذا الغلوبولين أجسامًا مضادة جاهزة تبدأ بمكافحة الفيروس فورًا بينما لا يزال الجسم يبني استجابته المناعية. ثالثها سلسلة لقاح داء الكلب، التي تدرب الجهاز المناعي على إنتاج أجسام مضادة واقية طويلة الأمد. مجتمعة، تجعل هذه الخطوات الوقاية من داء الكلب فعالة للغاية.
فلماذا لا يزال بإمكان شخص ما أن يصاب بداء الكلب؟
من الناحية العلمية، يُعدّ فشل اللقاح فشلاً ذريعاً. فعندما تظهر أعراض داء الكلب رغم التطعيم، يُجري الخبراء عادةً تحقيقاً شاملاً في جميع جوانب العلاج، ويتأكدون من تنفيذها بشكل صحيح وفي الوقت المناسب.
تشمل الأسباب المحتملة ما يلي:
لم يتم تنظيف الجرح فوراً أو بشكل كامل.
لم يتم إعطاء الغلوبولين المناعي المضاد لداء الكلب عندما كان مطلوبًا أو لم يتم حقنه بشكل صحيح حول الجرح.
تم تفويت جرعات اللقاح أو تأخيرها أو إعطاؤها بشكل غير صحيح.
كانت العضة شديدة، وشملت الرقبة أو الرأس أو الوجه أو اليدين، أو تضمنت جروحًا عميقة متعددة حيث وصل الفيروس إلى الأعصاب بسرعة كبيرة.
كان لدى الشخص المصاب جهاز مناعي ضعيف ولم يطور استجابة مناعية كافية.
بدأ العلاج بعد ظهور الأعراض بالفعل، عندما لم تعد اللقاحات قادرة على منع المرض.
ماذا لو كنت قد تلقيت التطعيم من قبل؟
يُنصح الأشخاص الذين سبق لهم تلقي لقاح داء الكلب، سواءً بسبب مخاطر مهنية أو تعرض سابق، بمراجعة الطبيب بعد أي عضة أخرى. والخبر السار هو أنهم عادةً لا يحتاجون إلى جرعة إضافية من الغلوبولين المناعي لداء الكلب. بدلاً من ذلك، يتلقون عادةً جرعتين معززتين من اللقاح، وفقًا للإرشادات الوطنية وتقييم الطبيب. يؤثر التطعيم السابق على خطة العلاج، ولكنه لا يُغني عن الحاجة إلى التقييم الطبي بعد كل تعرض محتمل.
لا يزال داء الكلب من أخطر الأمراض المعدية المعروفة في الطب، ولكنه أيضاً من أكثرها قابلية للوقاية. تتميز اللقاحات الحديثة بفعاليتها العالية عند إعطائها في الوقت المناسب وبالتزامن مع العناية المناسبة بالجروح، وعند الحاجة، باستخدام الغلوبولين المناعي المضاد لداء الكلب.
إذا تعرضتَ لعضة أو خدش من حيوان قد يحمل داء الكلب، فلا تفترض أنك محصنٌ لمجرد تلقيك لقاحًا في الماضي، ولا تتجاهل الإصابة لمجرد أنها تبدو طفيفة. اغسل الجرح فورًا واستشر طبيبًا على الفور. في الوقاية من داء الكلب، كل خطوة مهمة، والتصرف السريع قد يُحدث فرقًا بين الحماية الكاملة والإصابة بمرضٍ قاتلٍ في أغلب الأحيان بمجرد ظهور الأعراض.










